من معسكر بوكا إلى جبل قاسيون: كيف مهد التحالف الأميركي الطريق أمام أحمد الشرع؟

من معسكر بوكا إلى جبل قاسيون: كيف مهد التحالف الأميركي الطريق أمام أحمد الشرع؟

Fajawat Collective

بواسطة Fajawat Collective | أغسطس 9, 2026

نُشر في الأصل على موقع «درج»:

تثير مسيرة أحمد الشرع، المعروف باسم أبو محمد الجولاني، تساؤلات وفضولاً، ومنذ أن استولى على السلطة بالقوة، يود كثر رؤيته كرجل مبارك، جهادي تائب بات رجل دولة براغماتياً. إعادة النظر في مسيرته من منظور الصراعات على السلطة والعلاقات التي شكلت الحرب الأهلية السورية، تفتح الباب أمام رؤية أخرى أقل أسطورية لهذا الرجل.

بدأ أبو محمد الجولاني مسيرته في معسكر بوكا، وهو معسكر اعتقال (وحاضنة) للجهاديين أنشأه الجيش الأميركي في عام 2003 بالقرب من ميناء أم قصر في العراق. عندما كان مجرد مقاتل شاب عديم الخبرة، والذي ربما جنّده في دمشق الداعية محمود أغاسي (أبو القعقاع)، يُعتقد أنه احتُجز في هذا السجن بين أيار/ مايو 2005 ونيسان/ أبريل 2010 إلى جانب عبد الرحمن مصطفى القادولي (أبو علي الأنباري)، وهو أيديولوجي سلفي مقرب من مؤسس تنظيم القاعدة في العراق، أبو مصعب الزرقاوي، ومفضل لدى قيادة التنظيم ليكون خليفته. وبذلك، كان الأنباري ما يمكن تسميته “صانع القادة”.

ظروف القبض على الجولاني في الموصل وأسبابه لا تزال غير واضحة، إلا أن وجوده خلف القضبان – ومن خلال الأنباري – جعل منه شخصية مهمة في النظام الإيكولوجي للجهاد العالمي. وتجدر الإشارة إلى أن أحد زملاء الجولاني في السجن حصل على لقب فارس من الأنباري، وهو الضابط السابق في المخابرات العسكرية العراقية فاضل أحمد الحيالي (أبو مسلم التركماني / أبو معتز القريشي).

أصبح الأخير شريكه وادعيا أنهما وضعا خطة لإنشاء الفرع السوري لتنظيم القاعدة، وهو مشروع قدمه الحيالي إلى أمير الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي للحصول على موافقته بعد خروجه من السجن في عام 2010. وبالتالي، فور إطلاق سراحه في 13 آذار/ مارس 2011 (عندما اندلعت الثورة السورية)، حصل الجولاني على تأييد مزدوج من أيمن الظواهري – نائب بن لادن الذي أصبح خليفته بعد ثلاثة أشهر – ومن البغدادي، للتوجه إلى سوريا وتأسيس فرع القاعدة فيها.

عبَر الجولاني الحدود السورية إلى الحسكة مصحوباً بستة من مرافقيه في تموز/ يوليو 2011 وبميزانية شهرية قدرها ستون ألف دولار، قبل أن يلتقي بقادة سلفيين عدة أطلق الأسد سراحهم من السجن بالتوقيت المناسب في الأسابيع التي سبقت وصوله.

في النهاية، بعد أول ظهور له من خلال هجمات عدة بالقنابل على مباني المخابرات السورية في دمشق خلال فصل الشتاء، وُلد فرع القاعدة السوري أخيرًا في 23 كانون الثاني/ يناير 2012 تحت اسم جبهة نصرة أهل الشام، أو جبهة النصرة. هذا ما يمكن أن نسميه مشروعًا عملياتيًا.

الأسد وأسلمة الثورة السورية

يتساءل المرء عن سبب هذا التساهل المفاجئ من السلطات الأميركية والسورية، الذي أدى إلى الإفراج عن عشرات القادة الإسلاميين في فجر الثورة السورية. فإلى جانب الجولاني، من بين المحظوظين، مرشده أبو علي الأنباري وأبو بكر البغدادي نفسه، وكذلك أبو حسن الهاشمي القريشي، أبو إبراهيم الهاشمي القريشي، زهران علوش، أحمد عيسى الشيخ، أبو خالد السوري، أبو مصعب السوري، حسن عبود، أبو جابر الشيخ، أبو يحيى الحموي، عامر العبسي أبو أثير، أبو مهند السويداني، وأبو أيمن العراقي.

 من المهم ذكر أسمائهم لأنهم، في العام الذي تلى إطلاق سراحهم، أصبحوا جميعًا قادة للجماعات السلفية الأكثر تطرفًا التي شاركت في الحرب الأهلية السورية، كما أصبحوا أشرس المتنافسين داخل الشبكة الجهادية الإقليمية. 

دعونا نضيف – وهذا ما سيكون موضع اهتمامنا بشكل خاص لاحقاً – أنهم أيضاً المهندسون الرئيسيون للتفتت الذي أصاب قوات المتمردين السوريين، والذي تحقق من خلال التطهير المتطرف لمكوناتها الأكثر علمانية وتقدماً. على رأس هذه الحركة المضادة للثورة، كانت جبهة النصرة بقيادة الجولاني، وحركة أحرار الشام بقيادة حسن عبود، وجيش الإسلام بقيادة زهران علوش، وصقور الشام بقيادة أحمد عيسى الشيخ، وجميع الجماعات التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية بقيادة أبو بكر البغدادي.

تمكين جبهة النصرة

بعد بضعة أشهر فقط من تأسيس جبهة النصرة، بدأ الجولاني بالفعل في الانفصال عن منظمته الأم، ما دفع البغدادي إلى إرسال مرشده السابق، الأنباري، لمراقبة الأمور. تبادل الأنباري رسائل عدة مع أمير الموصل ليعرض عليه ملاحظاته، وفي إحدى هذه الرسائل، وصف الجولاني بعبارات دامغة: “إنه شخص مخادع ذو وجهين. إنه يحب نفسه ولا يكترث لدين جنوده. إنه مستعد للتضحية بدمائهم فقط لكي يذكر اسمه في وسائل الإعلام. إنه يطير فرحًا كطفل صغير عندما يذكر اسمه على قنوات التلفزيون”. 

في عام 2013، اكتمل الانقسام بين جبهة النصرة والدولة الإسلامية، بينما حافظ الجولاني على تعاون تكتيكي مع المنظمات السلفية السورية السبع الرئيسية المجتمعة ضمن الجبهة الإسلامية (أحرار الشام، صقور الشام، جيش الإسلام، لواء التوحيد، لواء الحق، أنصار الشام، والجبهة الإسلامية الكردية)، وذلك على الرغم من خلافاتهم حول طبيعة العلاقة التي يجب الحفاظ عليها مع تركيا.

كان هذا الخلاف الأخير الذي دفع جزءًا من قيادة أحرار الشام، التي كانت آنذاك  المنافس الرئيسي لجبهة النصرة، إلى الانشقاق والانضمام إلى جبهة النصرة بين عامي 2014 و2015. وكان هذا هو الحال بشكل خاص بالنسبة الى أبو جابر الشيخ، الذي سنناقشه بمزيد من التفصيل لاحقاً. في الوقت نفسه، سحق الجولاني القوى المحركة للثورة السورية، بدءاً بالجبهة الثورية السورية، حركة حزم، والفرقة الثالثة عشرة للجيش السوري الحر، ما عزز تدريجياً موقعه المهيمن داخل المعارضة المسلحة لنظام الأسد.

التدخل الأجنبي والتموضع المحلي وتشكيل صورة جديدة

شكّل عام 2015 نقطة تحوّل مفصلية. فقد توسّع تنظيم الدولة الإسلامية بسرعة على أرض خصبة بفضل الأنشطة المضادة للثورة التي قام بها نظام الأسد وجبهة النصرة، ما مكنه من الاستيلاء على محافظة إدلب ومخيم اليرموك الفلسطيني الواقع على مشارف العاصمة في العام نفسه. كان هذا الانتصار الثاني أيضاً نتيجة لتحالف تكتيكي مؤقت مع تنظيم الدولة الإسلامية، لا تزال آثاره الاستراتيجية غير واضحة حتى اليوم، إلا إذا اعتبرنا أنه كان يتعلق أساساً بإبعاد الجيش السوري الحر والجبهة الإسلامية (التي كانت في حالة تراجع بالفعل) عن خط المواجهة مع قوات النظام. 

تجدر الإشارة أيضاً، إلى أن جبهة النصرة كانت مهدت الطريق قبل استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على المخيم، من خلال اغتيال ما يقرب من 15 من قادة المجتمع الفلسطيني وناشطي المجتمع المدني بشكل منهجي. لكن الحدث المحوري في ذلك العام كان التدخل العسكري الروسي في الخريف، الذي سمح للأسد باستعادة حلب ودفع الجولاني إلى تبني استراتيجية جديدة تماماً للحفاظ على إدلب في مواجهة الوضع المتدهور بسرعة. 

أيضاً تجدر الإشارة إلى أن أحد التهديدات الرئيسية التي واجهت جبهة النصرة آنذاك كان التعاون المحتمل بين الولايات المتحدة وروسيا للقضاء عليها، كما سيظهر قريباً في مذكرة التفاهم التي وقعتها القوتان في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2015، تحت مسمى محاربة داعش. لذلك كان من الضروري إثبات المصداقية للاستفادة من دعم الدول الحليفة للولايات المتحدة، ولا سيما من خلال حشد الجماعات المتمردة التي كانت حتى ذلك الحين مترددة في الارتباط بمنظمة تابعة لتنظيم القاعدة وبالتالي بالجهاد العالمي.

 وهكذا، تصالحت جبهة النصرة مع أحرار الشام للسيطرة على إدلب، وشكلت تحالفًا مدعومًا من السعودية وقطر وتركيا، قبل أن تنفصل رسميًا عن القاعدة وتغير اسمها إلى جبهة فتح الشام في 28 تموز/ يوليو 2016. كان من المفترض أن يصاحب هذا التغيير اندماج مع أحرار الشام، لكن اقتراح الجولاني في هذا الصدد قوبل بالرفض. فكل شيء يأتي في أوانه.

منذ تلك اللحظة، التي تزامنت مع انطلاق محادثات أستانا التي بادرت بها روسيا، وعملية درع الفرات التركية (آب/ أغسطس 2016– آذار/ مارس 2017) التي أدت إلى احتلال تحالف قوى متمردة بقيادة تركيا شمال سوريا، بدأ الجولاني بإعلان ولائه للثورة السورية وتقديم ضمانات لـ”نزع التطرف“، ما سمح له بالتنقل بين مختلف القوى الأجنبية المشاركة في الحرب الأهلية من خلال وكلائها الكثيرين. 

موّلت الولايات المتحدة وأوروبا (وقطر) معارضة المنفى، التي جسدها الائتلاف الوطني السوري والحكومة السورية المؤقتة، بمبالغ قُدرت بعشرات الملايين من الدولارات، ما أدى بعد بضعة أشهر إلى ظهور الجيش الوطني السوري، وهو تحالف يضم 28 فصيلاً، 21 منها مدعومة ومسلحة من الولايات المتحدة عبر غرفة عمليات مشتركة مقرها في أعزاز وتسيطر عليها تركيا.

 على الرغم من أن الخصوم التاريخيين لجبهة النصرة، المعروفة أيضاً باسم جبهة فتح الشام، أصبحوا الآن جزءاً من المشروع التركي-الأميركي، إلا أن وريث القاعدة المثير للجدل لم يكن مستعداً بعد لتجسيد ”الثورة السورية“ كما حددها ووصفها الائتلاف. 

كان الانشقاق عن القاعدة لا يزال حديثًا بحيث لا يبدو موثوقًا في نظر معظم المتمردين السوريين، بخاصةً أنه تم بموافقة شخصيات بارزة عدة في القاعدة، وهي أحمد حسن أبو الخير وأبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني. ويزعم بعض المصادر أن أيمن الظواهري نفسه أيد هذا الخيار التكتيكي.

يد أنقرة ومِرفق أستانا وكتف واشنطن

على أية حال، وضع الجولاني بيادقه بشكل منهجي على رقعة الشطرنج، بهدف أن يصبح الزعيم المهيمن على التمرد السوري، إذ كان عليه أن يحيّد العناصر الأكثر تمرداً على جناحه الأيمن، أي التكفيريين الذين لا يلتزمون بولاء دائم، والفصائل الأكثر اعتدالاً على جناحه الأيسر. بينما كان الفريق الأول يتجمع حول جبهة النصرة/ جبهة فتح الشام، كان الفريق الثاني يتقرب تدريجياً من أحرار الشام، التي كان زعيمها أبو جابر الشيخ قد أنشأ للتو جيش الأحرار في كانون الأول/ ديسمبر 2016 من خلال دمج 16 فصيلاً محلياً لم تكن منتسبة بعد إلى جبهة فتح الشام. ولم يبقَ سوى دمج الفصيلين، وهو ما تم تحقيقه بالكامل تقريباً بعد شهر واحد فقط من خلال إنشاء هيئة تحرير الشام (HTS) في 28 كانون الثاني/ يناير 2012، والتي عُهد بقيادتها إلى أبو جابر الشيخ نفسه. 

تعيين خصم مفترض لقيادة قواته، فضلاً عن دمج أحرار الشام ضمن كيان قصير العمر، لم يدم سوى شهر واحد (جيش الأحرار)، يشير بقوة إلى أن الجولاني قد توصل إلى اتفاق مسبق مع الشيخ. والسؤال الذي يبقى بدون إجابة هو: منذ متى كان هذا الأمر قيد الإعداد؟

ما هو مؤكد أن المترددين من أحرار الشام خسروا قوتهم لاحقاً خلال الصيف، عندما فرضت هيئة تحرير الشام وحداتها المسلحة في جميع المناطق التي كانت الجماعة لا تزال موجودة فيها، وأجبرت فلولها على التنازل عن المعابر الحدودية مع تركيا التي كانت تحت سيطرتها حتى ذلك الحين، بما في ذلك معبر باب الهوى، الذي كان لسنوات معبراً للمقاتلين السلفيين القادمين من أوروبا بدعم تركي. 

وأخيراً، في خريف عام 2017، تم اغتيال أو اعتقال أكثر من 30 من المتشددين السلفيين المرتبطين بشكل أو بآخر رسمياً بهيئة تحرير الشام، بينما تنازل الشيخ عن منصبه للجولاني وتولى رئاسة مجلس الشورى، وهو الهيئة الاستشارية التي تحيط بالخليفة تقليدياً. كان الشيخ معروفًا بتأييده لـ ”الجهاد الشعبي“، وهو شكل من أشكال الشعبوية الإسلامية التي تعطي الأولوية لدعم الشعب على إنشاء الخلافة (الدولة الإسلامية). تجدر الإشارة إلى أن الجولاني أنشأ لاحقًا حكومة الإنقاذ السورية لتحل محل الحكومة السورية المؤقتة التي كان يدعمها منافسوه (وحتى ذلك الحين الولايات المتحدة)، قبل أن يكمل سحق الأخيرة بين عامي 2018 و2019. 

بحلول أوائل عام 2019، كانت حكومة هيئة تحرير الشام تسيطر على المحافظة بكاملها، وبالتالي تمكنت من البدء في ممارسة السياسة. وبدت أخيراً جاهزة للحكم بموافقة قوات التحالف.

على الرغم من أن الولايات المتحدة وتركيا قد اختلفتا حول الاستراتيجية، لا سيما في ما يتعلق بإدارة شمال شرقي سوريا والموقف الذي يجب اتخاذه تجاه داعش ووحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية، إلا أنهما يشكلان حجر الزاوية للتحالف الدولي في سوريا، وبالتالي يجب اعتبارهما حليفين في القضية السورية

عندما أنهى التحالف تدخله في عام 2019 وسحبت الولايات المتحدة دعمها لقوات سوريا الديمقراطية، أصبحت تركيا تتمتع بقدر أكبر من حرية التصرف، لكنها واصلت التفاوض مع واشنطن بشأن تحركاتها. بعدما شجع التحالف – عن قصد أو عن غير قصد، ولن يُعرف ذلك على وجه اليقين إلا في المستقبل عندما يتم رفع السرية عن الوثائق – ظهور جماعات سلفية عدة ساهمت في تفتيت التمرد السوري بين عامي 2011 و2015، أصبح الآن يقود حملة تدريجية لنزع التطرف.

 يبدو أن هذا التطور هو تتويج لاستيلاء تركيا على هيئة تحرير الشام. خلال الاثني عشر اجتماعًا مع روسيا وإيران في أستانا وسوتشي بين عامي 2015 و2021، عملت تركيا بنشاط على توسيع نفوذها ووجودها العسكري في سوريا، من خلال اجتياح المنطقة الشمالية الغربية من حلب بالكامل بين عامي 2016 و2018، ثم إنشاء مناطق خفض التصعيد ومنطقة عازلة في إدلب. وبالتالي، سرعان ما ”فُرض“ الوجود العسكري التركي في إدلب على الجولاني، تحت غطاء الدفاع عن مراكز المراقبة الاثني عشر التابعة له، والتي حاصرتها تدريجياً قوات النظام بين كانون الأول/ ديسمبر 2019 وشباط/ فبراير 2020.

نشرت القوات التركية في هذه اللحظة الحاسمة حزامًا وقائيًا حول القوات المتمردة، التي كانت لا تزال غير موحدة بشكل كافٍ، وبالتالي عرضة لهجمات من النظام السوري والقوات الروسية. اسم العملية التركية، ”درع الربيع“، مهم جدًا في هذا الصدد، ويمثل نقطة تحول رئيسية سمحت لمنطقة إدلب بالصمود ولجبهة النصرة بترسيخ سيطرتها على المنطقة بشكل نهائي. هذه الرعاية التركية، مصحوبة بتمويل مشاريع إعادة إعمار وتنمية كبرى وإنشاء مؤسسات مدنية، مكنت الوالي الجولاني من تنظيم الاستيلاء الإداري على المحافظة بهدوء، وبالتالي إنشاء جهاز دولة بدائي والوصول إلى عتبة السلطة في ربيع عام 2023. في أيار/ مايو من ذلك العام، أعلن علناً عن نيته استعادة حلب، واصفاً المدينة بأنها بوابة دمشق

السجادة الحمراء إلى دمشق

في 8 كانون الأول/ ديسمبر عام 2024، استولى تحالف واسع من الجماعات المتمردة بقيادة هيئة تحرير الشام، على السلطة بقوة السلاح، ونُصّب زعيمها على رأسها. هذا ما يُعرف بالانقلاب. في اليوم السابق، عُقدت الجولة الأخيرة من محادثات أستانا في الدوحة، قطر، بحضور خمس دول عربية وتلك التي تُعتبر ألدّ ثلاثة أعداء: تركيا وروسيا وإيران. وبشكل غير مفاجئ، اتفقت على وقف الأعمال العدائية، بالتزامن مع وقف القصف الروسي، وكذلك الانسحاب الكامل لمقاتلي حزب الله والحرس الثوري الإيراني، ولكن أيضًا لجميع القوات المسلحة للنظام، التي، كما نعلم، تخلى أفرادها عن زيهم العسكري بشكل جماعي قبل العودة إلى ديارهم. 

خلال الليل، غادرت أسرة الأسد مع كبير مفاوضي النظام في أستانا، بشار الجعفري، بينما حصل رئيس الوزراء السني محمد غازي الجلالي على ضمان بالعفو. قبل الساعة الرابعة والنصف من صباح يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر، عندما اختفت آخر رحلة مغادرة من مطار العاصمة دمشق من على شاشات الرادار قبل وصولها إلى القاعدة الجوية الروسية في حميميم (طرطوس)، كان أكثر من خمسين ضابطاً من ضباط النظام قد اختفوا. في المساء، أعلن الكرملين أن الأسد لجأ إلى موسكو مع عائلته، وأن المسألة قد حُسمت. وهكذا، تم التفاوض بسرية بين أطراف النزاع بوساطة روسية على مسار خروج مُؤمّن، كما حدث عندما تم أجلى النظام مقاتلي هيئة تحرير الشام والدولة الإسلامية من اليرموك بالحافلات في ربيع 2018. الجهات الفاعلة نفسها، الأساليب نفسها.

بعد أربعة أيام، كان رئيس المخابرات التركية (MIT) إبراهيم كالين أول مبعوث أجنبي يزور دمشق، حيث صلى في المسجد الأموي والتقى بالجولاني، وتلاه بعد عشرة أيام سلفه (2010-2023) ووزير الخارجية التركي الحالي هاكان فيدان. ظهر الجولاني وراعيه معاً وهما يشربان الشاي على شرفات جبل قاسيون، الذي كان محظوراً على الشعب السوري منذ انتفاضة 2011. لم يسبق أن كانت الرسالة أوضح من ذلك: إذا لم يكن طريق جبهة تحرير الشام إلى دمشق ملطخاً بالدماء، فذلك لأن عملاء أردوغان قد فرشوا السجادة الحمراء مسبقاً بموافقة القوى الإمبريالية الأخرى، بما في ذلك إيران. هذا ما يسميه دونالد ترامب “صفقة جيدة”. 

في الواقع، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب شديد الوضوح بشأن ذلك خلال مؤتمره الصحافي الأول منذ إعادة انتخابه، في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2024: “تركيا هي التي تقف وراء ذلك. إنه [أردوغان] رجل ذكي للغاية، لقد أرادوا ذلك منذ آلاف السنين، وقد حصلوا عليه، وأولئك الذين دخلوا تحت سيطرة تركيا، ولا بأس بذلك، إنها طريقة أخرى للقتال […] لا أحد يعرف ما ستكون النتيجة النهائية في المنطقة. لا أحد يعرف من سيحكم في النهاية. أعتقد أنها تركيا. تركيا ذكية جدًا، وهو رجل ذكي جدًا وصارم جدًا. قامت تركيا بانقلاب غير ودي من دون خسارة الكثير من الأرواح“.

هذه الحقائق تدعم الادعاء بأن الجولاني ورفاقه شركاء منذ فترة طويلة للمخابرات التركية، على الرغم من عدم وجود أدلة تشير إلى أن هذه الصلة تسبق إنشاء جبهة فتح الشام في عام 2015. المصدر الوحيد الموجود هو الصحافي التركي المنفي عبد الله بوزكورت، الذي يدعي أن أنس خطاب مرتبط بمخابرات الأركان التركية منذ بداية الحرب الأهلية. 

والجدير بالذكر أن هذا الصحافي تعرض لتهديدات وهجمات وإجراءات قانونية عدة من الدولة التركية لهذا السبب، والتي ضغطت أيضًا على الحكومة السويدية لإغلاق مركز أبحاثه Nordic Monitor، من دون جدوى. بإلقاء نظرة ثاقبة على الأحداث الماضية ومن دون الاستسلام لنظريات المؤامرة، لا يزال من حقنا أن نعتبر أن جبهة النصرة وما أنتجته بعدها هي في الواقع نتيجة مثمرة لاستراتيجيات التحالف في المنطقة. 

ويبدو أن هذا ما أكده القائد السابق للقوات الأميركية في العراق ثم مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية، ديفيد بترايوس، عندما أشاد بحرارة بمسيرة الجولاني في 22 أيلول/ سبتمبر 2025 بالكلمات التالية: “رؤيتك قوية وواضحة. كما أن سلوكك مثير للإعجاب… نأمل بالطبع أن تنجح، إن شاء الله، لأن نجاحك في نهاية المطاف هو نجاحنا”. 

حصل هذا المشهد السريالي في قمة كونكورديا السنوية، وهي منتدى محافظ يعقد سنوياً منذ عام 2011 بهدف “بناء شراكات ضد التطرف”  (كما ورد في النص). في عرض مدبر بعناية، أجرى بترايوس مقابلة مع الجولاني، الذي دُعي بحرارة إلى استخدام أسلوبه ”ما بعد الجهادي“ في لعبة الإغواء عشية خطابه التاريخي في الأمم المتحدة. 

يبدو من المفاجئ أن يبدي أحد قادة الإمبريالية الغربية حماسة للإنجازات الدموية لزعيم حرب سلفي مدرج على قائمة ”الإرهابيين العالميين المعينين بصفة خاصة“، كما أن انعدام صدى تصريحاته في الصحافة الدولية يتماشى مع تساهل المجتمع الدولي في مواجهة جنون دونالد ترامب المدمر. لكن هذا أمر آخر بلا شك. 

لفهم الطبيعة غير المتوقعة لمدحه، تجدر الإشارة إلى أن ديفيد بترايوس معروف بكونه مهندس استراتيجيات مكافحة التمرد التي نُفذت في الموصل في السنة الأولى من الحرب. أدى عمله الميداني إلى إحياء تعاليم ديفيد غالولا، الضابط في الجيش الفرنسي والجلاد في الجزائر الذي كتب في عام 1962 عملاً رائداً في مجال الحرب النفسية بعنوان ”مكافحة التمرد: النظرية والتطبيق“. حتى أن بترايوس كتب مقدمة لإعادة إصدار الكتاب باللغة الفرنسية في عام 2008، بعد نشر كتابه ”دليل مكافحة التمرد الميداني“ (FM 3-24)، وذلك على الرغم من أن فضيحة الانتهاكات التي ارتكبها الجيش الأميركي ضد السجناء في أبو غريب قد وضعت ممارسات فرق العمليات النفسية الأميركية (PsyOps) على المستوى نفسه للفظائع التي ارتكبها أعداؤهم، ليصبح كل طرف إرهابياً بالنسبة الى الطرف الآخر. ما يجب أن نتذكره هو أن بترايوس هو الرجل الذي اعتقل ”عن غير قصد“ المُفجّر الجولاني في الموصل، قبل أن يعرض عليه الإقامة في معسكر بوكا، الذي يُعدّ مهدًا للجهاديين.

“أحمد الجولاني” أو نجاح مكافحة التمرد

لكن، ما هو النجاح الذي يتحدث عنه بترايوس؟ للإجابة عن هذا السؤال، علينا أن ننظر إلى الطريقة التي صور بها الخبراء والصحافيون الجولاني منذ توليه السلطة. مدفوعين بنوع من الانبهار الجماعي بشخصيته، يبدو أن محللين كثراً يتفقون على أن ”الرئيس المؤقت“ الجديد قد أصبح ”منزوع التطرّف“ – وهو مصطلح مستعار من لغة مكافحة الإرهاب – خلال العقد الماضي، وأن هذه العملية كانت نتيجة لإدراكه التدريجي بعدم جدوى أفعاله السابقة. عند قراءة تعليقاتهم، من السهل أن نقتنع بأن الجولاني، الجهادي الذي تحول إلى رجل دولة، هو حالة من حالات النجاح الذاتي، قصة نجاح روّجت لها بشكل خاص الدول التي يبدو أنها دعمته منذ عام 2013. 

أكثر من مجرد مراجعة ذاتية شخصية، يقودنا الأمر إلى الاعتقاد بأن هذه العملية الفردية كانت مصحوبة أيضاً بإدراك جماعي من جانب رفاقه الأوائل، ولا سيما أنس حسن خطاب (الاسم الحركي: أبو أحمد حدود)، وأسعد الشيباني (أبو عمار الشامي أو زيد العطار أو أبو عائشة) وعبد الرحيم عطون (أبو عبد الله الشامي) .

بعدما كانوا ”الإرهابيين الأشد طلباً”، تحولوا جميعاً إلى استراتيجيين ماهرين ويمكن اعتبارهم الآن قادة براغماتيين، إذ أدركوا فجأة من خلال أنشطتهم الإدارية اليومية في إدلب ضرورة إظهار الشعبوية الوطنية السنية بدلاً من التعنت السلفي العقائدي. يستشهد الخبراء بكتابات عالم الدراسات الإسلامية الشهير أوليفييه روا عن الإسلام السياسي ليشرحوا لنا – ولا شك ليطمئنوا أنفسهم وبقية العالم الذي كان قد بدأ يقارن سوريا بأفغانستان – أن الإسلام المتطرف محكوم عليه بالاعتدال عندما يجد نفسه في موقف يتعين عليه فيه إدارة دولة. وسرعان ما طرحت وسائل الإعلام السؤال البلاغي: ”هل توقف أحمد الشرع عن كونه جهادياً؟”، وذلك على الرغم من أن أحداً لا يعرف شيئاً عن سيرة هذا الرجل، في ما يبدو.

تجدر الإشارة الى إلى أن الهوية الحقيقية للجولاني لم يتم الكشف عنها في وسائل الإعلام الرائجة إلا بعد الخامس من كانون الأول/ ديسمبر 2024، عقب نشر رسالة على قناة «هيئة تحرير الشام» على تلغرام تهنئ شعب حماة بتحريره وتحمل توقيعه، والتي نقلتها وكالة رويترز وقناة «العربية» السعودية

قبل ذلك، لم تُذكر هويته الحقيقية علناً سوى في مقابلة تلفزيونية واحدة أجراها في شباط/ فبراير 2021 مع الصحافي مارتن سميث لبرنامج فرونتلاين على قناة PBS الأميركية. لم تكشف المقابلة التلفزيونية السابقة، التي أجريت قبل ثماني سنوات مع الصحافي تيسير علوني من قناة الجزيرة، عن هويته ولا وجهه. جاءت المقابلة في الوقت المناسب، إذ كان تنظيم الدولة الإسلامية – الذي كان في حالة صعود سريع – يجذب مئات المنشقين عن جبهة النصرة، ما أجبر الجولاني على إيجاد أوراق رابحة جديدة. 

مثل بن لادن قبله، تمكّن زعيم الحرب من الاعتماد على القناة القطرية – والصحافي المتعاطف معه – لتوفير منصّة له، ظهر من خلف الكاميرا وتحدّث عن رفضه محادثات جنيف التي بدأتها الأمم المتّحدة، بحجّة ألا أحد “فوّض المشاركين فيها لتمثيل الشعب” (كما ورد في النصّ)، وأرسل إشارة إلى السعودية لإعادة تقييم استثماراتها في الصراع السوري.

بين المقابلتين، كشف الجولاني عن وجهه أخيراً، خلال إعلان إنشاء “جبهة فتح الشام” في 28 تمّوز/ يوليو 2016، حيث ظهر إلى جانب المُنظّر عبد الرحيم عطون وأحمد سلامة مبارك (أبو فرج المصري) أحد قادة “القاعدة” الأكثر عدوانية والمقرّب جدّاً من أيمن الظواهري وشقيقه محمّد الظواهري.

 تجدر الإشارة إلى أن أبو فرج المصري، بصفته شخصيّة رئيسية في تنظيم “القاعدة”، كان له دور تكتيكي حاسم في سياق إعادة التنظيم الشاملة لـ”جبهة النصرة”، وشكّل حضوره رمزاً لاستمرار صلات “جبهة فتح الشام” بشبكة “القاعدة” الأوسع، حتى في الوقت الذي سعت فيه الجماعة إلى إعطاء ضمانات بالاعتدال، من خلال النأي بنفسها عن الهيكل الرسمي لمنظّمتها الأمّ.

يكشف هذا دون شكّ، عن خطّة تواصل محكمة للغاية، مصحوبة باستراتيجية رجعية أو معادية للثورة طويلة الأمد، حيث يسعى كلّ ظهور علني إلى كسب الدعم والتأييد من خلال تقديم ضمانات حسن النيّة للمجتمع الدولي، دون فقدان دعم الأتباع والمقاتلين. 

لكنّ هذه النداءات موجّهة في المقام الأوّل إلى الدول، وليس إلى المكوّنات الأخرى للثورة السورية. على الأقلّ، هكذا يجب أن نفهم ظهور أبو محمّد الجولاني الخاطف في لحظات حاسمة من تطوّر المشروع السياسي، الذي كان مشاركاً فيه، وخروجه التدريجي من الظلّ بالتوازي مع التطبيع التدريجي لمنظّمته والاعتراف الرسمي بها، ثم تأكيد ترشيحه لخلافة بشّار الأسد. 

وقد بدأ هذا المشروع بالفعل في كانون الأوّل/ ديسمبر 2013، بعد ثمانية أشهر فقط من انفصاله عن تنظيم “القاعدة” في العراق، المعروف باسم “الدولة الإسلامية”، توقيت سريع بشكل مدهش.

إن لم يكن الجهادي ميتاً فيمكن له أن يكون مفيداً

أبو فرج المصري، بعد أن لعب دوره بوصفه ضامن تنظيم “القاعدة” أثناء إنشاء “جبهة فتح الشام”، قُتل في هجوم بطائرة أميركية مسيّرة بعد ثلاثة أشهر، في الثالث من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2016، في قلب معقل السلفيين التركستانيين في جسر الشغور (إدلب). 

وتأتي هذه الواقعة في وقت مناسب للغاية، حيث تتزامن مع اغتيال أكثر من عشرة قادة يمثّلون الجناح المتطرّف في “هيئة تحرير الشام” في خريف 2017، بالإضافة إلى الاغتيال الأبرز لأحد رفاق الجولاني الستّة الأوائل أبو مريم القحطاني، في 4 نيسان/ أبريل 2024 . 

هؤلاء المحاربون القدامى في “جبهة النصرة”، الذين كانوا جميعاً على خلاف مع الجولاني بسبب التحوّل التدريجي للحركة تحت تأثير القوى الإمبريالية الكبرى – ولا سيّما تركيا – تمّ القضاء عليهم واحداً تلو الآخر في زوبعة من الضربات والغارات الجوّية الموجّهة بدقّة، التي أزالت فعلياً جميع العقبات المحتملة أمام سيطرة الجولاني على السلطة. 

السؤال الذي كان ينبغي طرحه بشكل مشروع في ذلك الوقت هو: لماذا نجا الجولاني من عقدين من مكافحة التمرّد ومكافحة الإرهاب – وهما مصطلحان غالباً ما يعنيان الشيء نفسه – التي اضطلع بها تحالف الناتو وتحالف RSII (بين روسيا وسوريا وإيران والعراق) بشكل مشترك؟

وعلاوة على كلّ شيء، لماذا لم يكن التركيز الجماعي المحموم على تنظيم “داعش” موضوعاً لتحليل نقدي وشكوك من جانب الخبراء والصحافيين من جميع الأطياف، في حين أن “جبهة النصرة” ومرتزقتها “التركستانيون” كانوا يكتسبون نفوذاً كبيراً دون أن يتمّ استهدافهم بشكل جدّي؟ 

جميع أطراف النزاع، بما في ذلك نظام الأسد وحليفه الإيراني، قد أعطوا شرعية لعنفهم بادّعاء أنهم يحاربون الإرهاب الإسلامي، على الرغم من أنهما قاما إما بتمويل الجماعات السلفية وإما استغلالها لتوجيه الفوضى في سوريا لصالحهما، غالباً بطرق متقلّبة للغاية، وعلى نطاق محلّي للغاية.

 إذا كانت الحرب الأهلية السورية معقّدة للغاية، بل ومستحيلة الفهم، فذلك لأن أيّ تحليل يقتصر على اعتبار أن هناك طرفين فقط هو تحليل غير صحيح، وأيّ محاولة لتحديد تحالفات واضحة أو مصالح متقاربة بين الطرفين على نطاق وطني أو إقليمي، محكوم عليها بالفشل. 

من هنا، تمكّن طرفان في النزاع، هما روسيا والولايات المتّحدة، من إيجاد نقاط اتّفاق في تقاسم المجال الجوّي فوق الصحراء لقصف “داعش”، أو لحماية الحدود مع الأردن وإسرائيل من الميليشيات الإيرانية، بينما يتقاتلان عبر وكلائهما في الشمال، على الرغم من أن روسيا كانت الداعم الرئيسي للطاغية بشّار الأسد الذي صنّفته الولايات المتّحدة على أنه شرير. وفي الوقت نفسه، قصفت روسيا بشكل مكثّف وكلاء تركيا، بينما كانت تُجري دوريات مشتركة مع الجيش التركي على طول الطريق السريع M4 بين سراقب وجسر الشغور.

 أخيراً، واتّباعاً للمنطق الانتهازي نفسه والبعيد كلّ البعد عن أيّ اعتبارات أخلاقية أو حزبية، تعاونت دول الخليج وتركيا والأردن والولايات المتّحدة في برنامج “تيمبر سيكامور” الذي استمرّ أربع سنوات، بهدف تسليح أكثر من خمسين جماعة متمرّدة سورية وتدريبها، بما في ذلك الجماعات الأكثر تطرّفاً والفصائل المتحاربة في ما بينها، مع إبقاء العديد من قادتها على قوائم رصد الإرهاب. 

تجدر الإشارة إلى أن هذا البرنامج، الذي أقرّه باراك أوباما، بعد ضغوط نشطة من الملك عبد الله الثاني ملك الأردن وبنيامين نتنياهو، بدأ في عام 2012، من قِبل مدير وكالة المخابرات المركزية المذكور أعلاه ديفيد بترايوس، ورغم صحّة أن الأسلحة المورّدة سقطت بسهولة في أيدي “جبهة النصرة”، كما اعترف ترامب نفسه في تمّوز/ يوليو 2017، لا يزال من الصعب الجزم بأن الجماعة أو من خلفوها تلقّوا دعماً مباشراً، وذلك حسبما زعمت وكالة الأنباء الكردية ANF News في كانون الثاني/ يناير 2018، استناداً إلى اعترافات اثنين من عملاء المخابرات التركية (MIT) أسرتهم القوّات الكردية قبل عام.

فلماذا إذاً تمّ إعفاء الزعيم المطلق لـ”جبهة النصرة”، الذي قاد فرع “القاعدة” لمدّة ثلاثة عشر عاماً طويلة، بينما تمّ اغتيال جميع مساعدي الظواهري والبغدادي واحداً تلو الآخر بضربات دقيقة نُفّذت في قلب مناطق المتمرّدين؟ لماذا ظلّ هذا الجهادي الغامض، الذي تبلغ مكافأة القبض عليه عشرة ملايين دولار، يحظى بدعم مستمرّ – ولكن سرّي – من حلفاء الولايات المتّحدة لمدّة عشر سنوات على الأقلّ؟

 لماذا، أخيراً، يُقدَّم هذا القائد العسكري المتشدّد، الذي قضى بشكل كامل على جميع الجماعات المتمرّدة الأكثر انسجاماً مع قيم الثورة السورية، فجأة باعتباره بطل تلك الثورة، بينما يحظى بدعم الشرائح الأكثر رجعية وطائفية في المجتمع السوري؟ 

يبدو الجواب واضحاً إلى حدّ ما: أبو محمّد الجولاني هو أداة أكثر منه فاعل، إنه ليس سيّد مصيره، كما يودّ أنصاره أن يكون. إنه ما يصفه عزّت البغدادي الدبلوماسي المستقلّ ومدير مركز KMT، بـ”رجل المرحلة”، “ليس بوصفه مخلّصاً، ولا بوصفه صاحب برنامج جامع، بل بوصفه وسيطاً بين الفوضى وحدّها الأدنى القابل للاحتواء”. 

وكتب الأخير على صفحته على فيسبوك: “الشرع لا يبيع مشروع حكم متكاملاً، ولا يعِد بدولة حديثة، ولا يطلب اعترافاً سيادياً كاملاً. ما يقدّمه -ويُطلب منه- أبسط وأكثر براغماتية: خفض المخاطر”.

 خفض احتمالات الانفجار الأمني، تقليص تصدير العنف خارج الحدود، ضبط تعدّد الفصائل، وتقديم عنوان واحد قابل للتواصل بدل فوضى عناوين. في عالم مفلس، هذا عرض مغرٍ […] في مثل هذا المناخ، لا يعود “الحلّ السياسي” شرطاً للتعامل، بل يصبح عدم الانهيار هو معيار النجاح. هذه هي الترجمة الحقيقة لمقولة سمعناها تتكرّر على ألسنة الدبلوماسيين في الجلسات المغلقة- الاستقرار مقدّم على الديمقراطية-  والشرع ينسجم مع هذا الطلب لأنه لا يفتح ملفّات ثقيلة: لا عدالة انتقالية، لا إعادة هيكلة دولة، ولا وعود استثمارية كبرى. 

هو يقدّم نفسه كمُشغِّل سياسي مؤقّت، قادر على إبقاء الأزمة دون العتبة الحرجة. هذا ليس مشروعاً؛ إنه تأجيل محسوب […] بيع خفض المخاطر ليس حلاً، لكنّه يصبح مقبولاً حين تنهار القدرة على تمويل الحلول. 

وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية والسياسية: ما يبدو عقلانياً على المدى القصير، يراكم كلفة أعلى على المدى الطويل. لأن إدارة الأزمة تُطيل عمرها، وتستنزف الزمن السياسي، وتؤجّل إعادة بناء الشرعية الجامعة. لهذا، فإن توصيف الشرع بوصفه “رجل مرحلة”، لا يعني منحه شرعية تاريخية، بل وضعه في مكانه الوظيفي الصحيح: نتاج لحظة عالمية تشتري الوقت بدل المستقبل، وتفضّل إدارة المخاطر على مواجهتها. أحمد الشرع ليس حلاً لسوريا، بل علامة على عالم يتعلّم التعايش مع الأزمات بدل إنهائها. وجوده مرتبط باستمرار المرحلة، ونهايته تبدأ لحظة ظهور بديل أقلّ كلفة وأكثر استدامة… الجولاني في النهاية ليس أكثر من حصان سباق. 

أبو محمّد الجولاني أم أحمد الشرع؟

إن السؤال حول ما إذا كان أبو محمّد الجولاني قد توقّف عن كونه جهادياً، وما إذا كان قد “تخلّص من التطرّف”، يصرف انتباهنا عن القضيّة التي يجب أن تشغلنا جميعاً بعد نصف قرن من الدكتاتورية: هل تمّ انتخابه ديمقراطياً من قِبل الشعب السوري؟ وكيف يختلف عن بشّار الأسد في هذا الصدد؟

 يقول عزّت بغدادي بتعبير دقيق: “إن المسألة ليست أن يواصل السوريون إدارة أزمة استمرّت لعقود، بل أن يحقّقوا أخيراً ما كانوا يطمحون إليه عندما نزلوا إلى الشوارع في عام 2011: العدالة الاجتماعية والديمقراطية”. 

بعبارة أخرى، حلّ سياسي، مما يعني أنه لا يمكن أن يكون هناك سلام مقبول ما لم يرافقه مسار حقيقي للعدالة الانتقالية. لذلك، فإن “السلام على طريقة ترامب” الذي يسمح للقوى الأجنبية بنهب موارد البلاد وعسكرة الأراضي دون ضمان الأمن والمساواة لجميع السوريين أمام القانون، ليس حلاً مؤقّتاً حتى؛ إنه ضمان لكارثة جديدة على المدى القصير جدّاً، ولعلّ المذابح التي وقعت في الساحل وفي السويداء كانت مجرّد نذير لها.

 وإذا كان الجولاني نموذجاً للنجاح بالنسبة إلى قادة العالم، فذلك لأنه يشبههم: فهو انتهازي، يستغلّ تطلّعات الشعب لخدمة مصالح رعاته، وكذلك مصالحه ومصالح عشيرته. فبعد كلّ شيء، كان ابن عم والده فاروق الشرع نائباً للرئيس بشّار الأسد، لذا فإن الوضع الراهن الذي مثّله كان يتطلّب أن يتولّى أحد أفراد العائلة السلطة، وأن يعيّن شقيقه سكرتيراً للرئاسة، إذا كان ذلك يسعده

في الختام، يمكن للمرء أن يتساءل ما إذا كان الرئيس الذي نصّب نفسه قد كان يوماً جهادياً حقيقياً، أم أنه لم يكن سوى متسلّق اجتماعي آخر في بانثيون الطغاة؟ على أيّة حال، إلى أن يتمّ انتخاب أحمد الشرع ديمقراطياً من قِبل غالبية السوريين، بما في ذلك جميع الطوائف السورية، من المناسب الاستمرار في الإشارة إليه باسمه الحركي: أبو محمّد الجولاني.

مصطفى البكور في السويداء: تطهير عرقي غير مُعلن

مصطفى البكور في السويداء: تطهير عرقي غير مُعلن

Fajawat Collective

بواسطة Fajawat Collective | أغسطس 9, 2026

نُشر في الأصل باللغة الإنجليزية على موقع «الجمهورية»:

بعد أربعة أشهر من سقوط الأسد، أرسلت قيادة العمليات العسكرية التابعة لـ«هيئة تحرير الشام» أحد مبعوثيها — الذي يعرف القليل عن خلفيته — إلى محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية. ووصل مصطفى البكور، الذي كان حتى ذلك الحين مسؤولاً مغمورًا في «حكومة الإنقاذ السورية» في منطقة حارم (إدلب)، إلى السويداء في السادس من كانون الثاني/يناير عام ٢٠٢٥، مكلفًا بإدارة شؤون المحافظة. وفي غياب برلمان أو مجلس محافظات منتخب ديمقراطياً، يتمثل دور المحافظ — شأنه شأن دور «المتصرّف» في الإمبراطورية العثمانية — في ممارسة سيطرة مطلقة على جميع الشؤون اليومية للمحافظة.

قبل الهجوم الأول على السويداء

جاء تعيين البكور خلافاً لرغبات المجتمع المحلي، الذي كان قد رشح محسنة المحيثاوي، وهي خبيرة اقتصادية مؤهلة معروفة بجهودها السابقة في فضح الفساد، لمنصب المحافظ منذ شهر كانون الأول/ديسمبر. ولو تم احترام رغبات المجتمع، لكانت أول امرأة تشغل مثل هذا المنصب في تاريخ سوريا. تظاهر البكور في البداية بمشاركتها في المنصب، لكن التنافس في كراهية النساء بينه وبين رجال المجتمع المحلي سرعان ما قلص قدرة المحيثاوي على العمل إلى الصفر، ودفعها في النهاية إلى الاستقالة من منصبها، كما أكدت لنا خلال محادثة هاتفية قصيرة في ٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٥.

وبمجرد أن رسخ البكور موقعه في هذا المنصب، أخذ يقضي أيامه في كسب تأييد جميع شرائح المجتمع المحلي، ليثبت نفسه تدريجيًا باعتباره نقطة الاتصال الوحيدة والممثل الشرعي للسلطة المركزية في المحافظة. ففي وقت مبكر من شهر شباط/فبراير، زار البكور شيوخ «العقل» حكمت الهجري، يوسف جربوع، حمود الحناوي، والأمير حسن الأطرش، بالإضافة إلى ممثلي المجتمعين المسيحي والبدوي، بينما كان يستقبل الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والثقافيين في المحافظة في مكتبه الصغير طوال شهري شباط/فبراير وآذار/مارس.

بدأت العلاقة بين مجتمع السويداء والسلطة المركزية تتآكل تدريجيًا لعدة أسباب: إعلان زعيم الميليشيا الجولاني نفسه رئيسًا غير منتخب لسوريا في ٢٩ كانون الثاني/يناير، مؤتمر الحوار الوطني الهزلي الذي عُقد في ٢٤-٢٥ شباط/فبراير، الاشتباكات الأولى في ضاحية جرمانا ذات الأغلبية الدرزية في ٢٨ شباط/فبراير، المذبحة الجماعية للمدنيين العلويين على طول الساحل السوري في الفترة من ٦ إلى ١٧ آذار/مارس، وأخيراً تشكيل حكومة جديدة في ٢٩ آذار/مارس تتألف بشكل حصري تقريباً من الرجال ويشكل أعضاء «هيئة تحرير الشام» نصف أعضائها. لكن لم يتسع الخلاف بين المجتمع المحلي والسلطة المركزية بشكل ملحوظ إلا في نيسان/أبريل. مصطفى البكور، الذي كان قد انتقل في غضون ذلك من مكتبه الصغير إلى المكتب البيضاوي الذي أُعد له في مبنى المحافظة الذي تم تجديده حديثًا، سرعان ما وجد نفسه مقصوراً على دور الوسيط لخدمة طموحات السلطة في دمشق.

وتجدر الإشارة إلى أنه، في غضون ذلك، كان ليث البلعوس وسليمان عبد الباقي — وهما زعيما فصيلين درزيين صغيرين وغير ذوي أهمية، لكن لهما صلات وثيقة بحلفاء «هيئة تحرير الشام» المقربين في المنطقة، ولا سيما شاهر جبر عمران، المقاتل المخضرم في «جبهة النصرة» ورئيس إدارة الأمن في درعا، و«تجمع عشائر الجنوب» الذي أسسه رجل الأعمال/المهرب راكان الخضير ويقوده محلياً رجل العصابات مفلح الصبرا — يتنقلان باستمرار ذهاباً وإياباً إلى دمشق للتخطيط والتنسيق مع السلطات المركزية بشأن العمليات العسكرية المرتقبة في المنطقة. وفي ١٣آذار/مارس، قاما أيضاً بالمساعدة في تجنيد مئات الأفراد من العشائر المحلية — غير الدرزية — في صفوف قوات الأمن. وأخيراً، في أوائل نيسان/أبريل، عندما تم اعتقال حوالي عشرين ناشطاً من المجتمع المدني من السويداء بالقرب من حمص أثناء عودتهم من مؤتمر نظمته الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا (AANES) ، ثم نُقلوا إلى سجن حارم - المعقل السابق لـ البكور - حيث تعرضوا للتعذيب، قام هذان الرجلان الخاضعان للسلطة بتنسيق الإفراج عنهم.

كانت اللحظة الحاسمة الأولى في هذا الانقسام هي اللقاء الذي جمع مصطفى البكور بمجموعة المعتقلين عقب الإفراج عنهم. كان اللقاء الذي جرى في المكتب البيضاوي لـ البكور، بحضور ليث البلعوس المتجهم الصامت وشقيقه فهد، لحظة نادرة للغاية من المواجهة العلنية بين أعضاء المجتمع المدني وممثل للسلطة المركزية الجديدة. قام رجا الدمقسي، الأمين العام لحزب الانتماء الديمقراطي السوري، بخلع قميصه ليكشف عن الكدمات التي ألحقها به أفراد الأمن العام في سجن حارم؛ ثم تحدث رجلان بالتناوب للتنديد بالإهانات الطائفية والعنف الذي تعرضا له، قبل أن تواجه المهندسة والناشطة غادة الشعراني بشدة — وبحق — البكور، مشيرةً إلى مسؤولية السلطات عن الإجراءات التعسفية والعنف الذي ارتكبه عناصرها.

وأثار هذا التصريح الأخير جدلاً حاداً داخل المجتمع وخارجه على حد سواء، حيث دفعت كراهية النساء السائدة في المجتمع إلى اعتبار غضب المرأة غير مبرر، في حين أن رباطة جأش البكور أكسبته تعاطف أولئك الذين ما زالوا يعتقدون أنه «يبذل قصارى جهده». وبينما كرر البكور مرة أخرى الوعد الفارغ بأن «الجناة سيُحاكمون»، كانت غادة الشعراني هي من واجهت تهماً جنائية عقب سلسلة من الشكاوى التي قدمتها نقابة المحامين السورية بهدف «اتخاذ إجراءات ضد من وصفتهم بأنهم معارضون للدولة أو الحكومة أو أي شخصية تعتبر رمزية بالنسبة للسوريين». في «الجمهورية الديمقراطية السورية» الجديدة، كما كان الحال في ظل نظام الأسد السابق، لا يمكن التسامح مع انتقاد رجال الرئيس.

نحو الهجوم الثاني على السويداء

منذ ذلك الحين، تسارعت الأحداث. عندما قررت السلطات المركزية، في ٢٨ أبريل/نيسان، إطلاق المرحلة الأولى من خطتها لنزع سلاح الفصائل الدرزية — مستغلة القبائل في هجوم غادر يهدف إلى تبرير تدخل قوات الأمن في الأحياء الدرزية في جرمانا وصحنايا وأشرفية-صحنايا. وفي أعقاب هذا الهجوم، تعرض ٤٨ مقاتلاً درزياً كانوا قد انطلقوا لإنقاذ أفراد من مجتمعهم في أشرفية-صحنايا لكمين وأُعدموا في وضح النهار على بعد أقل من ٥ كيلومترات على الطريق المؤدي إلى دمشق على يد تلك قبائل «اللجاة» المجاورة، بمساعدة جهاز الأمن العام الذي كان يسيطر على المنطقة.

وبعيدًا عن أي محاولة لتبرير أو إدانة جريمة الحرب الوحشية هذه، فقد تم محوها ببساطة من الرواية الرسمية — وبالتالي من التصريحات العامة لمحافظ السويداء، الذي أمضى هذه الأيام في الإبلاغ بشكل دؤوب عن انتشار القوات الحكومية حول المحافظة وداخلها. وفي الساعات التي تلت ذلك، تعرضت قرية الصورة الكبرى، الواقعة على بعد أقل من ٥ كيلومترات جنوب موقع الاعتداءات، للتدمير على يد تلك القبائل نفسها: تم حرق ١٥ منزلاً. وقد ظهر البكور في هذه القرية عينها في الأول من أيار/مايو إلى جانب ليث البعلوس المثير للجدل واللواء في الفرقة الأربعين التابعة للجيش السوري حيث قاموا بتنسيق عملية حصار غير رسمي للمنطقة استمر لمدة أسبوع آخر. وفي اليوم نفسه، كانت السلطات في دمشق قد توصلت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع القيادة الدرزية، وافقت بموجبه على نشر قوات تابعة لوزارة الداخلية في المنطقة وتأمين الطريق المؤدي إلى دمشق.

وبعد رفع الحصار المفروض على المحافظة، عاد البكور إلى العمل لمدة أسبوعين، قبل أن يُوقف عن العمل لمدة شهر، من ٢١ أيار/مايو إلى ٢٤ حزيران/يونيو، عقب تقديمه طلب الاستقالة، الذي جاء بدوره نتيجة اقتحام مسلحين لمكتبه مطالبين بالإفراج عن أقاربهم الذين تم اعتقالهم في دمشق. وأدى هذا الحادث الأمني، الذي تم حله بفضل تدخل الفصائل الدرزية، إلى فرار البكور مؤقتاً إلى دمشق، ولم يضطر خلال تلك الفترة إلى التعامل مع الحوادث المتكررة الناجمة عن إقامة نقطة تفتيش تديرها قبائل اللجاة عند مخرج السويداء، عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه بين الشخصيات الدرزية البارزة والسلطات المركزية في الأول من أيار/مايو. وعند عودته، استأنف البكور جولته وكأن شيئًا لم يكن، بدأها بزيارة أخرى لشيوخ العقل بالإضافة للعائلات الدرزية البارزة، ونشر صوراً لنفسه في بيوت الضيافة تلك (التي كانت، بعد شهرين بالضبط، مسرحاً لأبشع المذابح التي شهدتها المنطقة على الإطلاق.)

ما يلفت الانتباه في تصريحات البكور الرسمية خلال فترة التوتر هذه — التي امتدت من الهجمات التي وقعت في أواخر نيسان/أبريل إلى منتصف تموز/يوليو — هو غياب أي إشارة إلى الحوادث الأمنية العديدة التي وقعت على الطريق بين دمشق والسويداء، وكذلك داخل المجتمعات الأكثر تهميشاً في السويداء — وهي العشائر — وإلى الحاجة الملحة لمعالجة هذه القضايا من خلال الحوار لمنع تصعيد الوضع. ولو اضطررنا لاختيار رمز يمثل مصطفى البكور، لكان خيارنا الأول هو الإسفنجة، نظراً لقدرته المذهلة على امتصاص المظالم الموجهة ضد السلطات، ومحو مسؤوليتها عن الخلل الوظيفي والانتهاكات الناجمة عن نهجها الاستعماري تجاه السويداء.

وعندما أطلقت السلطات المركزية المرحلة الثانية من استراتيجيتها لنزع سلاح الدروز في منتصف تموز/يوليو، مستغلةً مرة أخرى التوترات التي أثارتها الجماعات الإجرامية من قبائل «اللجاة» المرتبطة بـ«تجمع عشائر الجنوب» المذكور آنفاً، أصدر مصطفى البكور بياناً دعا فيه إلى ضبط النفس عصر يوم ١٣ تموز/يوليو، قبل أن يقضي الأيام السبعة التالية في الاكتفاء بإعادة نشر البيانات الحكومية الرسمية ومشاركة تقارير متحيزة وغير كاملة من وسائل الإعلام الحكومية «سانا» و«الإخبارية»، تخللتها جميعًا صور دعائية تُظهر مدنيين دروزًا يتم «نقلهم إلى بر الأمان» على يد القوات المسلحة، التي زُعم أنها كانت تحميهم من العنف المنسوب إلى ما يصفه بشكل عشوائي بـ«الجماعات الخارجة عن القانون» — في إشارة ضمنية إلى فصائل الدفاع عن النفس الدرزية.

التستر واسع النطاق على مسرح الجريمة

في أعقاب عمليات القتل الجماعي التي نفذتها قوات الأمن بالاشتراك مع جماعات قبلية خارجة عن القانون من مختلف أنحاء سوريا بين ١٣ و٢١ تموز/يوليو — وفقاً لتصريحاتهم المتكررة بهدف «قتل الخنازير الدروز» — لم يذكر المحافظ البكور ولو مرة واحدة الفظائع التي عانى منها السكان الخاضعون لسلطته. لم يذكر كلمة واحدة عن الإعدامات الميدانية لجميع أفراد عائلات رضوان ومزهر ونعيم، التي كان قد زارها قبل شهر. كما لم يقدم أي تفسير للحصار الذي فرضته القوات الحكومية على المحافظة بأكملها، ولا لاحتلالها الدائم لـ٣٤ بلدة وقرية بعد نهبها وتدميرها خلال عملية التطهير العرقي التي نفذتها سلطة الأمر الواقع.

بدلاً من ذلك، شرع على الفور في تنفيذ ما سيصبح مهمته الرئيسية خلال الاثني عشر شهراً التالية: إدارة الأزمة الإنسانية الناجمة عن تهجير مئات العائلات البدوية، والتستر على الجرائم التي ارتُكبت خلال تلك الأيام العشرة من المجازر. وأكثر من أي وقت مضى، كان مصطفى البكور بمثابة «الإسفنجة» المكلفة بتنظيف الفوضى التي خلفها رؤساؤه. وفي هذه المهمة، كان بإمكانه الاعتماد على مساعدة — أو بالأحرى تواطؤ — حفنة من الأشخاص: عباس سليمان، رئيس قسم التعاون الدولي (المنظمات غير الحكومية والمستثمرون الأجانب)؛ نورس الفضيلي وجبران حمزة، رئيسا القطاع الغربي (ومقرهما في المزرعة)؛ طارق عدوان ومالك الزريق، المسؤولين عن القطاع الشمالي (ومقرهما في الصورة الصغرى)، بالإضافة إلى سرور قنديل، كبير المهندسين لأعمال البناء وإعادة التأهيل في المناطق المنكوبة. أما فيما يتعلق بالشؤون الأمنية، فقد كان حسام الطحان ونزار الحريري (الأمن الداخلي)، رضوان السلامة (الشرطة الجنائية)، عمر الحريري (منطقة المزرعة)، ومحمد علي (منطقة شهبا) كانوا يقودون هذه العمليات بالتعاون مع سليمان عبد الباقي، المسؤول عن مراقبة السيارات المارة عبر نقطة تفتيش «المتونة» الجديدة.

منذ شهر آب/أغسطس، سمحت صفحة المحافظة على فيسبوك للمتابعين بتتبع تحركات القوافل الإنسانية والتجارية المتجهة إلى السويداء يومًا بيومٍ، على الرغم من أنها لم تقدم قط أي صور أو معلومات محددة حول كيفية توزيع هذه الإمدادات على نحو ١٢٠ ألف (الرقم الذي قدمته السلطات السورية) إلى ١٥٥ ألف (الرقم الذي قدمته الأمم المتحدة) من المواطنين، ومعظمهم من الدروز والمسيحيين، الذين نزحوا من قراهم الـ٣٤ التي ظلت تحت احتلال السلطات المركزية. ويكشف تحليل لمئات المنشورات المصحوبة بالصور أن ما يقرب من خمسين منظمة غير حكومية قد حشدت جهودها بشكل حصري تقريبًا لمساعدة السكان البدو الذين شردتهم السلطات إلى محافظة درعا المجاورة، في حين كان كل من مصطفى البكور وعباس سليمان يستقبلان بشكل منتظم ممثلي هذه المنظمات في مكتبهما قبل بدء أنشطتها. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن مقر هذه السلطة المحتلة كان يقع في البداية في بلدة «المزرعة» المهجورة، قبل أن ينتقل في ١٣ تشرين الثاني/نوفمبر إلى «المركز الثقافي العربي» السابق، الواقع بين قريتي «رضيمة اللوا» و«الصورى الصغرى» المدمرتين، والذي تم تجديده خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر.

لكن ما يُظهره حساب المحافظ البكور على فيسبوك بوضوح خاص ليس فقط أن جميع القرى الـ٣٤ المحتلة تعرضت بالفعل للنهب المنهجي والتدمير المتعمد بالحرق أثناء سيطرة القوات الحكومية عليها، بل أيضًا أن البكور أشرف على «إعادة تأهيل» آلاف المنازل بين تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥ وأيار/مايو ٢٠٢٦ في غياب أصحابها وبدون موافقتهم. ومثل كثير من الرجال، يواجه كل من الجولاني والبكور مشكلة حقيقية مع مفهوم الرضا. تُظهر أكثر من ألف صورة عمالاً يقومون بتنظيف وترميم منازل كانت قد جُردت تماماً من أثاثها — حتى أصغر الأغراض — في بلدات أصبحت مهجورة تماماً. وتضمنت أعمال الترميم هذه في المقام الأول تنظيف وإخفاء آثار الحريق تحت عدة طبقات من الطلاء الأبيض، بالإضافة إلى استبدال جميع الأبواب والنوافذ والمغاسل والمراحيض والتركيبات الكهربائية وخزانات المياه، وما إلى ذلك.

وبالنظر إلى أن الجثث المتفحمة كانت متناثرة في القطاع المحتل عشية انتهاء الأعمال العدائية في ٢١ تموز/يوليو ٢٠٢٥، وأن الهلال الأحمر السوري واصل اكتشاف جثث متحللة وهياكل عظمية لمدنيين في شوارع القرى المحتلة بعد مرور شهرين على وقوع المجازر، وأن أفرادًا من الأمن العام التقطوا صورًا لأنفسهم مع جمجمة بشرية في قرية تعارة في أوائل آذار/مارس ٢٠٢٦، فليس من المستبعد الاعتقاد بأن جثث عدد من الأشخاص من بين أكثر من ٢٠٠ شخص تم الإبلاغ عن فقدانهم حتى الآن قد بقيت في مسرح الجريمة أو دُفنت سراً ودون قبر لائق، سواء داخل المحافظة أو في محافظة درعا. وهذا ما يشير إليه بقوة أكثر من ثلاثين منشوراً، يشمل أكثر من أربعين جثة، صادرة عن مركز تحديد هوية المفقودين في الفترة ما بين ٣١ تموز/يوليو ٢٠٢٥ و٥ آذار/مارس ٢٠٢٦. ومع ذلك، أصبح من المستحيل الآن تحديد الظروف التي تعرض فيها مئات الأشخاص للاعتداء أو القتل في الأجزاء الشمالية والغربية من المحافظة، وذلك بسبب تعذر الوصول إلى المنطقة ومن ثم «تطهيرها» بالكامل.

وقد أصبح هذا التستر على الجرائم — الذي تحظره الاتفاقيات الدولية، ولا سيما مبادئ بينهيرو المتعلقة بإعادة المساكن والممتلكات إلى اللاجئين والنازحين، والذي تعرض لانتقادات مبهمة في الفقرات ٥٤ و١٤٢ و١٨٧ من تقرير لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة، الصادر في آذار/مارس ٢٠٢٦ — ممكناً بفضل حملة «السويداء: منا وفينا»، التي جمعت ١٤.٦ مليون دولار خلال حفل خيري أُقيم وسط أنقاض قرية الصورة الكبرى المنكوبة في ١٢ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٥. وفي مفارقة ساخرة، نسق البكور تمويل مخططه لتدمير الأدلة في مسارح الجريمة بحضور شخصيات رئيسية متورطة في مذابح تموز/يوليو، بما في ذلك زعماء العشائر المتورطة، على الرغم من أن لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة في أحداث تموز/يوليو كانت قد بدأت عملها قبل عشرة أيام فقط. وأعلن الفيديو الترويجي لهذا الحدث عن ترميم ما لا يقل عن ٢٠ ألف منزل، و٥٠ مدرسة، و٣٥ مسجدًا، و٥٠ مزارًا درزيًا، و١٥ كنيسة، و٤٠ مركزًا بلديًّا وثقافيًّا. وبعد ثمانية أيام، استقبل البكور في مكتبه المهندس المعماري لمشروعه الإنشائي الضخم، سرور قنديل — الذي أوصى به بلطف أحد المتبرعين لحملته الانتخابية، خالد محمد —. وتجدر الإشارة إلى أن وزير الطاقة والدفاع المدني (الخوذ البيضاء) والهلال الأحمر السوري تبرعوا معًا بأكثر من خمسة ملايين دولار — مما يوضح حجم مصلحتهم في هذا المشروع.

يتضح من الصور التي قدمها فريق الإعلام التابع لـ البكور أن الدفاع المدني، إلى جانب منظمات مثل شركة «الراقي» (حلب)، و«إي-كلين» (إدلب)، و«فتح الوقفي» (اسطنبول)، ولجنة سانت أفرام البطريركية للتنمية (دمشق) دوراً فعالاً في عملية التطهير هذه، حيث شاركت المنظمة الأخيرة في إطار مشروع «جيرا» الذي تموله وزارة الخارجية الأمريكية. وفي الوقت نفسه، شاركت منظمات مثل «بريميير أورجانس» و«رحمة» و«فتح الوقفي»، بالإضافة إلى وكالتي الأمم المتحدة «مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية» و«اليونيسيف»، في إعادة تأهيل المباني العامة والبنية التحتية في المناطق المحتلة — من دون الحصول على موافقة المجتمعات المحلية المعنية — وهو ما يشكل انتهاكاً للمبادئ التأسيسية لتدخل المنظمات الإنسانية. وبحلول ١٣ ديسمبر/كانون الأول ٢٠٢٥، كان البكور قد نشر بالفعل عدة خرائط لقرى «الصورة الصغرى»، «الطيرة»، «سميع»، «المزرعة»، و«أم حارتين»، تُظهر إعادة تأهيل ٢٩١ منزلاً، مع وجود ٤٢١ منزلاً آخر قيد الإنشاء. وفي يناير/كانون الثاني، أعلنَ أن أعمال البناء قد اكتملت في جميع المنازل البالغ عددها ١٧٠ في قرية أم حارتين، ودعا سكانها إلى العودة ابتداءً من ٢٠ يناير/كانون الثاني. وبعد أربعة أشهر، في ٣١ مايو/مايو ٢٠٢٦، أعلنَ أن ٢٥٥٨ منزلاً من أصل ٧١٤٤ منزلاً قد تم ترميمها بالكامل، في حين أن نسبة إتمام الترميم في المنازل المتبقية البالغ عددها ٤٥٨٦ بلغت ٤٠٪. تشير هذه الأرقام غير المعقولة إلى أن فِرق «الترميم» التابعة للمحافظ البكور قد أعادت تأهيل أكثر من ١٣ منزلاً في اليوم الواحد. وهذا وحده يكفي بالتأكيد لإثبات أن الأمر أقرب إلى عملية تجميلية منه إلى مشروع حقيقي يهدف إلى تحقيق العدالة التعويضية.

من الذي تخدمه السلطات الجديدة؟

بالنظر إلى مئات المنشورات – التي تصل إلى عدة منشورات يوميًا – يبدو واضحًا أن البكور واجه صعوبة في العثور على دروز ناجين في المنطقة المحتلة لتوفير الصور اللازمة لحملته الدعائية. في الواقع، خلال الأشهر العشرة التي شملها بحثنا، لم يكن هناك سوى أقل من عشرة منشورات تظهر دروزًا يتلقون مساعدته، ثلاثة منها عرضت نفس العائلتين – بما في ذلك خمسة مسنين – في ٢٤ أيلول/سبتمبر و٢ شباط/فبراير و٦ حزيران/يونيو. في مقطع فيديو يسلط فيه البكور الضوء على زيارته لهم، نرى أن أحدهم، الذي يعاني من إعاقة واضحة، يكافح في لحظة ما لكبح دموعه. محرجًا، يبتعد البكور على الفور مع فريقه، وهو يربت على رأس الرجل. من ناحية أخرى — وهذه أيضًا حقيقة مثيرة للاهتمام ظهرت من منشورات البكور وكذلك من صور الأقمار الصناعية للمنطقة — حرصت السلطات بشدة على معالجة مخاوف عشائر السويداء والتعويض عن الضرر الناجم عن التهجير القسري لآلاف من أفرادها. وبالفعل، يظهر أفراد هذه القبائل باستمرار أثناء عمليات توزيع المساعدات، وكذلك في العديد من الاجتماعات مع البكور نفسه في مكتبه. ومن الملاحظ أنه بعد إعادة توطين العشائر في مناطق زراعية على الحدود بين محافظتي درعا والسويداء، حرصت السلطات — بمساعدة رعاتها القطريين والسعوديين والأتراك والأردنيين، وكذلك من خلال الأعمال الخيرية ”المتفانية“ التي قدمتها العديد من المنظمات غير الحكومية الدولية — بما في ذلك تلك التابعة لحكومات الدول المذكورة أعلاه — التوزيع اليومي للمساعدات الغذائية والمواد غير الغذائية، مع ضمان تركيب محطات الكهرباء التي تعمل بالألواح الشمسية وحفر الآبار بالقرب من مخيماتهم.

وتجدر الإشارة إلى أن البكور خصص جزءًا من مبلغ الـ ١٤ مليون دولار لإعادة تأهيل حوالي ١٧ منطقة سكنية للعشائر تقع في الجزء الشرقي من محافظة السويداء، والتي تمثل رسميًا حوالي ٥٠ ألف شخص من أصل ٨٠ ألف فرد من أفراد العشائر النازحة، في حين أن العدد الإجمالي الفعلي لسكان العشائر في المحافظة قبل سقوط النظام كان حوالي ٣٣ ألف نسمة. وكانت هذه القرى وسكانها، الذين لم يتأثروا بشكل مباشر بالاشتباكات التي وقعت في تموز/يوليو، قد تعرضوا للتدمير على يد الأسد قبل عشر سنوات بعد أن كانت بمثابة ملاذ ومنطلق لغارات تنظيم «الدولة الإسلامية» بين أيلول/سبتمبر ٢٠١٤ وآذار/مارس ٢٠١٥: المقص الأشعري، أبو حارات، الفاديين، الأصفر، شنوان، المفطرة، الشعاب الجنوبي، الشعاب الشمالي، القصر، مرتع الفارس، صبرا العليا، رجم الدولة، تل سعد، بير العورة، وادي المباشي، الحبارية، قاع البنات. وكمثال على الجهود المبذولة لصالح هذه العشائر، يمكننا أن نذكر قرية القصر الشرقية، حيث أعيد توطين ١٥٠ عائلة في ١٧ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥.

وبالحديث عن مثال آخر على الالتزام الراسخ تجاه العشائر، فإن اللفتة الرمزية التي تجسد نهج البكور في هذا الشأن على أفضل وجه هي بلا شك مشاركته في الحدث الذي نظمه رجل العصابات راكان الخضير في ١٦ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٥، بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لسقوط الأسد. وخلال هذه الاحتفالات التي جرت في معقل الخضير في قرية المطلة - وهو المكان، دعونا نتذكر، الذي تنطلق منه جميع هجمات أتباعه ضد المسافرين على الطريق بين السويداء ودمشق - وقف البكور بفخر إلى جانب المخططين الرئيسيين لمذبحة تموز/يوليو، أمام جمهور يتألف في غالبيته العظمى من أفراد العشائر. ومن الضروري للغاية الإشارة هنا إلى أن التضامن مع السكان المدنيين البدو أمر مشروع تمامًا ومحمود، لكن حضور البكور في هذا التجمع يكشف في الواقع عن شيء مختلف تمامًا: فبدعوى مساعدة العشائر على تحسين ظروف معيشتها، يعيد المبعوث القادم من دمشق، في الواقع، تأكيد التحالفات طويلة الأمد للحكومة المركزية مع قادة الجماعات المسلحة العشائرية الإجرامية — مثل «جيش أحرار العشائر» أو أجزاء من عشائر الشمر والقحطان وبني هاشم والمرسومي — التي تم توثيق جرائمها في السويداء بشكل كبير والتي كان ينبغي فرض نزع سلاحها على نفس الأساس الذي تم عليه فرض نزع سلاح الدروز أو الأكراد. هؤلاء الشيوخ البدو لا يمثلون عشائر السويداء، تماماً كما أن مصطفى البكور عديم الشرعية في تنظيم شؤون الدروز.

ومع ذلك، في أعقاب نهب وتدمير آلاف المنازل بوحشية والإبادة الجماعية التي ارتكبت ضد الدروز والمسيحيين في السويداء — والذين أُعدم الكثير منهم إعداماً ميدانياً، وذُبحوا وأُحرقوا داخل تلك المنازل ذاتها — فإن إعادة تأهيل تلك المنازل في غياب أصحابها يشكل عملاً ثانياً من أعمال التدنيس يشبه الاغتصاب. في مواجهة مثل هذا التعسف، فإن الشيء الوحيد الذي لا يزال بإمكان دروز السويداء أن يشعروا به تجاه البكور هو الاشمئزاز، مثل ذلك الذي يشعر به الناجون تجاه مرتكبي الجرائم ضدهم. وفي حين يكرر المحافظ تحت كل منشور يظهر فيه عمال الطلاء أثناء عملهم أن «الهدف من المبادرة هو تمكين السكان من العودة بأمان وكرامة إلى منازلهم»، يجدر التذكير بأنه في إحدى المرات النادرة التي طلب فيها السكان الإذن بالوصول إلى أراضيهم لإنقاذ محاصيلهم — في السابع من شباط/فبراير عام ٢٠٢٦ في قرية المتونة — قُتل أربعة مزارعين وأصيب اثنان آخران على يد أفراد الأمن العام المتمركزين في القرية. ورغم أنه من الممكن على أية حال أن يعود جزء من السكان بمجرد أن يسمح لهم بالعودة، فإن محافظ السويداء يجب ألا يظن أنه سيستعيد تعاطف ناخبيه أو ينجح في كسب عفوهم.

ففي السويداء، الكرامة ليست شيئاً يمكن المساومة عليه.

 

هل يسخر أحمد الشرع من السوريين؟

هل يسخر أحمد الشرع من السوريين؟

Fajawat Collective

بواسطة Fajawat Collective | مايو 14, 2025

لقد كان سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤ تحررًا لا يمكن إنكاره بالنسبة لملايين السوريين، الذين خرجوا فجأة وبشكل غير متوقع من خمسين عامًا من البربرية الشمولية التي حولت سوريا إلى حقل من الخراب ومعسكر اعتقال، اختفى خلالها مئات الآلاف من المدنيين أو أُجبروا على النزوح إلى المنفى.

تحرير وليس ثورة

في التاسع من كانون الأول، أعلن أحمد الشرع نفسه زعيماً لسوريا الجديدة، رافضاً بشكل قاطع كل أشكال تقاسم السلطة واللامركزية والفيدرالية، مع الحرص على عدم استخدام مصطلح الديمقراطية أبداً، قبل أن يعلن في مقابلة مع التلفزيون السوري في ١٥ ديسمبر/كانون الأول - بعد أسبوع واحد فقط من سقوط الأسد - أنه ”من الضروري الآن التخلي عن العقلية الثورية“. من المشروع أن نتساءل: متى كان الشرع ثورياً؟
وفي ٢٩ كانون الأول، أكد الشرع أنه لا يمكن إجراء أي انتخابات قبل أربع سنوات، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى الوضع المتردي للمجتمع المدني السوري، ولكنه غير مطمئن على الإطلاق حين يصدر عن شخص يرفض مفهوم الديمقراطية ذاته، مهما كان شكله. وفي الوقت نفسه، أعلن الشرع عن قرب إقرار دستور جديد خلال مؤتمر حوار وطني افتراضي، من شأنه أن ينهي المرحلة الانتقالية. في هذه الفترة، كان أكثر المتفائلين لا يزالون ينتظرون ما سيحدث.
في ٢٩ كانون الثاني، عُيّن الشرع رئيساً للجمهورية العربية السورية من قبل القيادة العامة السورية ( المتجسدة في شخصه) في ”مؤتمر النصر“. وبعد ذلك تم إلغاء الدستور السوري وجميع المؤسسات الموروثة من حزب البعث وديكتاتورية الأسد. لن يندم أحد على هذه المؤسسات.

وفي يوم ١٢ شباط، شكّل الشرع لجنة تحضيرية مؤلفة من سبعة أعضاء[1] لتنظيم مؤتمر الحوار الوطني، والذي استغرق التحضير له عشرة أيام وافتتح في ٢٤ شباط. وضمّ المؤتمر نحو ٦٠٠ شخص - دُعي الكثير منهم قبل أقل من يومين عن طريق الرسائل النصية - واستبعد أي تمثيل للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية. استغرقت المناقشات يومًا واحدًا فقط ولم تحقق شيئًا من الناحية الموضوعية، باستثناء إعادة تأكيد سطحية للاحتياجات التي سبق أن صاغها الجميع: العدالة الانتقالية، واحترام الحريات العامة والسياسية، ودور منظمات المجتمع المدني في إعادة إعمار البلاد، والإصلاح الدستوري والمؤسساتي، واحترام السيادة الوطنية واحتكار الدولة للسلاح. وأضيف إلى ذلك إعلان رمزي يدين التوغل الإسرائيلي.

وفي الثاني من آذار، شكّل الشرع لجنة مكونة من خمسة أعضاء[2] لصياغة دستور مقترح، تم وضعه في غضون عشرة أيام وتم اعتماده في ١٣ آذار لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات. وينص الدستور المقترح على أن يكون الرئيس مسلماً ويجعل من الفقه الإسلامي ركناً من أركان القانون الدستوري، مع التعهد بـ”حماية الأقليات“، كما تعهد بشار الأسد من قبل. وبعد أربعة أيام، تم ذبح عدة مئات من المدنيين العلويين في الساحل.

في ٢٩ آذار، حلّ الشرع الحكومة المؤقتة بقيادة رئيس الوزراء محمد البشير وشكّل حكومة انتقالية بدلاً منها، وعيّن ٢٣ وزيراً[3]، تسعة منهم من هيئة تحرير الشام. أصر المجتمع المدني على احترام التنوع وحقوق المرأة، فعين الشرع المرأة الوحيدة في الحكومة، وهي مسيحية بدورها، في منصب وزيرة الشؤون الاجتماعية. ولو أراد الشرع أن يكون ساخراً لما كان بإمكانه أن يقوم بعمل أفضل من ذلك. أضف إلى هذا أن جميع الوزراء يتم تعيينهم الآن من قبل الرئيس مباشرة، بينما تم إلغاء منصب رئيس الوزراء. وتجدر الإشارة إلى أن النظام الرئاسي بدون رئيس وزراء لا يختلف كثيرًا عن النظام الملكي.

في أقل من ثلاثة أشهر، نجح أحمد الشرع بمهارة ودون معارضة في فرض نفسه رئيسًا للدولة، وفرض نظامًا رئاسيًا يمكن توصيفه بأنه استبدادي.

انتقال سياسي في ظل اتفاقات أستانة

منذ عام ١٩٧٠، تسير سوريا على خطى راعيها الروسي. من يطلع على نظام السلطة الروسي ويحلل النظام السوري في عهد الأسد سيكتشف ذات أساليب النهب والسلب والفساد القبلي، وذات الازدراء الساخر الذي تبديه النخب الموالية تجاه غالبية الشعب، وذات سياسة التخلي والإفقار المتعمد للمحافظات، ولكن أيضًا وأخيرًا ذات التقديس الجماعي للزعيم حتى وإن كان من الواضح افتقاره إلى الكاريزما. ومن المفارقات أن الأسد وصل إلى السلطة في نفس الوقت الذي وصل فيه بوتين إلى السلطة، فأصبح نسخة منه وتلميذه في آن واحد. فمنذ بداية الثورة الشعبية في عام ٢٠١١، تصرف الأسد تمامًا كما فعل بوتين أو سيفعل في بلده في حال اندلاع ثورة، وذلك بإنكاره لوجود الثورة وتسببه في موت أو اختفاء أو فرار نصف سكان البلاد بدلًا من الشروع في أي مظهر من مظاهر الإصلاح الذي قد يكسبه قدرًا من الدعم الشعبي. العناد والإنكار الإجرامي هما أكثر ما يشترك فيه الأسد وبوتين. الشيء الوحيد الذي يفرقهما حقًا هو أن بوتين لم يختبر بعد انتفاضة شعبية واسعة النطاق، وبالتالي لم تتح له الفرصة لنشر كل خبرته الاستبدادية.

في الواقع، لا يمكن أن يكون هناك ما هو أسوأ من نظام الأسد، والمقارنة الوحيدة الصحيحة ستكون مع الديكتاتورية الستالينية. ويبقى النموذج هو النموذج الروسي دائمًا. وبالتالي، لن يتوقف شبح روسيا عن أن يخيم على حياة السوريين من يوم إلى آخر. والأكثر من ذلك، من المشروع الاعتقاد بأن سقوط الأسد لم يكن ليتحقق إلا بتعاون بوتين أو بموافقته. قبل التباكي على المؤامرة، دعونا نتذكر بعض الحقائق التي نعرفها جميعًا.

ليس لدى روسيا أصدقاء، فقط عملاء وتوابع وأصحاب ديون. لقد عاشت سوريا على الائتمان الروسي ثم الإيراني لعدة عقود، وكان تدخلهم في الحرب الأهلية السورية بدافع الحاجة إلى سداد الديون المتعاقد عليها من قبل عشيرة الأسد. وعلى غرار الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج البترو-ملكية، وضعت كل منها بيادقها على رقعة الشطرنج السورية، وغيّرت تحالفاتها وأولوياتها الجيو-استراتيجية وفقاً للظروف ومصالحها المتقلبة. لقد أصبحت الطوائف والفصائل السورية، رغماً عنها، أو حتى من دون علمها، وكلاء للعبة سرعان ما تجاوزتها. وإذا حاولنا أن نستشف منطقًا قائمًا على تحالفات أو محاور أو معسكرات ذات ترسيمات واضحة المعالم، فلن نقع إلا في الضلال أو الخطأ. فليس هناك صداقات أو تضامنات بين الدول، بل هناك فقط فرص ومناورات.

منذ بداية الثورة في عام ٢٠١١، كانت إيران وحزب الله أول من تدخل لحماية النظام السوري وإبقاء السيطرة على الطرق بين العراق ولبنان، في الوقت الذي كانا فيه يطوران قبضتهما العسكرية والتجارية في سوريا. وفي الوقت نفسه، تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية وقطر وتركيا، بدعم لوجستي من الأردن وبريطانيا وإسرائيل، بتزويد نحو خمسين جماعة مرتبطة بالجيش السوري الحر والمعارضة السورية التي تجسدها الحكومة السورية المؤقتة في المنفى (في تركيا) بالأسلحة، بما في ذلك الجماعات الإسلامية المرتبطة بجبهة النصرة والتي توحدت منذ عام ٢٠١٥ تحت مظلة جيش الفتح. وتعدّ قطر وتركيا من بين الممولين الرئيسيين لجبهة النصرة ( ٢٠١٢ - ٢٠١٧)، تليها جبهة فتح الشام (٢٠١٦ - ٢٠١٧) وهيئة تحرير الشام (٢٠١٧ - ٢٠٢٥).

ومع التدخل الروسي، والاستيلاء على كوباني وهجمات باريس التي شنها تنظيم الدولة الإسلامية في عام ٢٠١٥، تغيرت استراتيجيات جميع الأطراف. فقد ساهمت هجمات باريس، التي أعقبت إفراج الأسد عن السجناء الإسلاميين في عام ٢٠١١، إلى حد كبير في تحويل نظر المجتمع الدولي عن همجية النظام للتركيز على الفزاعة الجهادية. لقد سحبت الولايات المتحدة تدريجيًا دعمها للجماعات السلفية وأعادت توجيهه نحو وحدات حماية الشعب الكردية/ وحدات حماية المرأة ثم قوات سوريا الديمقراطية، مع التركيز على محاربة الدولة الإسلامية، بينما أرسلت روسيا مرتزقتها من شركة فاغنر لتجنيد السوريين في كتيبة صيادي داعش قبل إرسالهم لتأمين مزارع النفط التابعة للنظام أو للعمل كوقود للمدافع في ليبيا (وهو ما فعلته تركيا أيضًا). ولكن في الواقع، كان تنظيم الدولة الإسلامية يُضرب بيدٍ ويُغذى باليد الأخرى من قبل تركيا وروسيا ونظام الأسد الذي لم يتوقف أبدًا عن التصرف في الخلايا الجهادية كما يناسبه، حيث كان يحركها من اليمين إلى اليسار لارتكاب الفظائع لصرف الانتباه عن جرائمه ومؤامراته، أو لزعزعة استقرار بعض المناطق أو السكان الذين يشكلون مصدر إزعاج له، أو لإضفاء الشرعية على استخدام القوة حيث لا توجد أسباب وجيهة كافية. الجهادي هو أداة عملية.

وخلافاً للاعتقاد الشائع، لم تكن روسيا والولايات المتحدة وحلفائهما (الأردن وإسرائيل وتركيا) على خلاف عسكري على الأراضي السورية[4]. بل على العكس، فقد توصلت الولايات المتحدة وروسيا وتركيا في عامي ٢٠١٦ و٢٠١٧ إلى الاتفاق على القيام بعمليات جوية مشتركة تهدف إلى ضرب مواقع تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة[5] [6]. وفي أعقاب ذلك، وقّعت روسيا اتفاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن في عام ٢٠١٧[7]  [8] لإبعاد الإسلاميين (حزب الله والدولة الإسلامية) عن مرتفعات الجولان والحدود الأردنية، وهو ما أدى إلى استعادة النظام السوري وروسيا لمدينة درعا في عام ٢٠١٨، مما أدى إلى القضاء على جيب الدولة الإسلامية في حوض اليرموك واستسلام ثوار درعا واندماجهم في عملية التطبيع مع الأسد[9]. وتجدر الإشارة إلى أن جميع الاتفاقات التي وقّعتها روسيا كانت بموافقة بشار الأسد. ومن دون الخوض في مزيد من التفاصيل، من الواضح جداً أنه في السياق السوري لم يكن هناك أبداً أي ازدواجية حقيقية بين ”محور الشر“ و”محور المقاومة“.

في وقت مبكر من عام ٢٠١٥، بدأت شخصيتان مؤثرتان مقربتان من النظامين السوري والروسي، رندة قسيس وفابيان بوسارت، باقتراح تنفيذ عملية سلام في سوريا من خلال عقد مؤتمر في أستانة، كازاخستان. بعد عامين من المحادثات غير المثمرة في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة، تم أخيرًا في عام ٢٠١٧ تأسيس مؤتمر أستانة كمنتدى تفاوضي بين روسيا وتركيا وإيران ونظام الأسد وعشرات الفصائل السورية المتمردة بقيادة جيش الإسلام، مع تنحية الأمم المتحدة إلى صفة مراقب. أظهرت روسيا وتركيا بعد ذلك ريادتهما في المناقشات بوضوح شديد، حتى أن روسيا اقترحت مسودة دستور ”جمهورية سوريا“ المستقبلية، حيث تم إدخال نظام لا مركزي وفيدرالي وعلماني يلغي الفقه الإسلامي كمصدر للقانون. عارضت تركيا وجامعة الدول العربية والمعارضة الموالية لتركيا والأسد بشكل قاطع أي شكل من أشكال الفيدرالية. ولفهم مضمون هذه المحادثات ونتائجها بشكل أفضل في ضوء الأحداث الأخيرة، قد يكون من المفيد التذكير بأن روسيا اقترحت تنحي الأسد في عام ٢٠١٢، ولكن هذا الاقتراح رفضته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بحجة أن الأسد ”كان على وشك أن تتم الإطاحة به“. ويبدو أن تركيا قد تقدمت على روسيا في هذه المفاوضات بين عامي ٢٠١٩ و٢٠٢٣، قبل أن تضع طرائق الانتقال السياسي في سوريا من زاويتها الخاصة. وقد اصطدمت روسيا بإيمان بشار الأسد العنيد بأنه لا يقهر ورفضه قبول أي مقترحات للإصلاح الدستوري، لا سيما منذ عودته إلى المسرح الدولي في قمة جامعة الدول العربية في جدة في حزيران عام ٢٠٢٣.

في اليوم السابق لسقوط نظام الأسد، اجتمعت روسيا وتركيا وإيران في الدوحة بحضور خمسة من أعضاء جامعة الدول العربية (مصر والسعودية والعراق والأردن وقطر) لتسجيل انتهاء الأعمال العدائية. في الوقت نفسه، أوقفت القوات الجوية الروسية غاراتها فجأة بعد تسع سنوات من القصف المتواصل، وانسحبت بسلام إلى قواعدها في حميميم وطرطوس حيث لا تزال حتى اليوم تطبيقًا لاتفاقيات الدوحة. وبموجب هذه الاتفاقيات، أعطت روسيا الأسد وعشيرته وحلفاءه ضمانات أمنية وعفوًا مقابل الانسحاب العام لجيشه، بينما تفاوضت إيران على حماية الأماكن المقدسة الشيعية. وفي مساء يومي ٧ و٨ كانون الأول، حزم المقربون من الأسد حقائبهم قبل أن يتم إجلاؤهم بكفاءة بالطائرة من سوريا إلى روسيا ودول الخليج، بمن فيهم بشار الجعفري، المفاوض الرئيسي في اتفاقات أستانة وسفير سوريا لدى روسيا[10]. كل ذلك دون أن تسقط إسرائيل طائرتهم أثناء تحليقها بالطبع.

وفي ٢٩ كانون الأول ٢٠٢٤، أعلن الشرع أن سوريا تتقاسم مع روسيا مصالح استراتيجية عميقة، رافضًا بشكل قاطع تواطؤها  الواضح مع نظام الأسد ومسؤوليتها عن المذبحة التي راح ضحيتها آلاف المدنيين منذ عام[11] ٢٠١٥.

في نهاية كانون الثاني ٢٠٢٥، جاء وفد روسي بقيادة وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف والمبعوث الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف إلى دمشق لوضع إطار ومعايير العلاقات الثنائية المستقبلية. ثم وضع الشرع شروطه، مطالباً بتعويضات مالية عن الجرائم المرتكبة وتسليم الأسد إلى سوريا، وهو يعلم تماماً أن روسيا لن توافق على ذلك.

في بداية شهر آذار، وبينما كانت المجازر في الساحل تدفع المئات من المدنيين العلويين إلى اللجوء إلى قاعدة حميميم، عرضت روسيا بشكل منافق المساعدة لتحقيق الاستقرار في سوريا. وقد شهد الشهر التالي بدايات تعاون عسكري جديد مع تركيا وروسيا، حيث اعترف الشرع بأن الجزء الأكبر من المعدات العسكرية السورية تم توريدها من روسيا، وأن سوريا لا تزال تعتمد على العديد من العقود مع روسيا في قطاعي الغذاء والطاقة، وأن حق النقض في الأمم المتحدة يشكل تهديدًا خطيرًا لاحتمال رفع العقوبات التي تؤثر بشدة على البلاد.

ما يمكن أن نستخلصه من كل هذه المعطيات هو أن مصير السوريين سيبقى مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا برغبات أردوغان وبوتين. ويمكننا أن نطلق على هذا القيد اسم ”لعنة أستانة“.

ماذا عن الجهاديين الأجانب؟

لنبدأ ببعض تفاصيل السيرة الذاتية والمعلومات الأساسية.

ولد أحمد الشرع في عام ١٩٨٢ في نفس المكان الذي ولد فيه أسامة بن لادن - الرياض في المملكة العربية السعودية - وعاش في سوريا بين عامي ١٩٨٩ و ٢٠٠٣. قبل بدء الغزو الأمريكي للعراق، ذهب إلى بغداد حيث انضم إلى الفرع العراقي لتنظيم القاعدة الذي أسسه زعيمه أبو مصعب الزرقاوي بعد مبايعة بن لادن. اعتُقل الشرع في عام ٢٠٠٦، ثم قضى خمس سنوات في السجون الأمريكية. وفي الثاني من أيار عام ٢٠١١، أُطلق سراحه بعد القضاء على بن لادن، وأرسل خليفته أيمن الظواهري الشرع إلى سوريا في آب من العام نفسه لتأسيس الفرع السوري لتنظيم القاعدة، جبهة النصرة، بالتعاون مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بقيادة أبو بكر البغدادي في ذلك الوقت. وكما شاءت الأقدار، في الوقت نفسه بالضبط، منح بشار الأسد العفو وأفرج عن مئات الإسلاميين من سجن صيدنايا، بمن فيهم عدد من المتشددين سيئي السمعة[12] الذين أنشأوا في الوقت نفسه، في الأشهر الثلاثة التي تلت إطلاق سراحهم، الجماعات السلفية الرئيسية المسؤولة عن تفتيت الجيش السوري الحر ومن ثم أسلمته: لواء الإسلام وصقور الشام وأحرار الشام.

وفي عالم الجماعات الإسلامية المسلحة، توالت المواجهات المسلحة وحروب القوة والتحالفات الظرفية وإعادة التشكيلات الواحدة تلو الأخرى، وبلغت ذروتها في عام ٢٠١٧ في عمليات اندماج واسعة النطاق داخل الجيش الوطني السوري وهيئة تحرير الشام، برعاية تركيا. تتزامن هذه التغييرات مع المفاوضات الدولية في إطار عملية الأستانة المذكورة أعلاه. وهي اللحظة التي شجعت عددًا من الفصائل الإسلامية، التي تواجه مأزقًا في حرب الخنادق مع نظام الأسد، على تغيير استراتيجيتها وتبني خطاب وطني وثوري، مع تطهير الجناح الأكثر تطرفًا. وكان شريك الشرع منذ عام ٢٠١١، أنس حسن خطاب، يشغل منصب رئيس المخابرات في هيئة تحرير الشام[13]، وهو المنصب الذي يحتفظ به في الحكومة السورية. في هذا المنصب كان مسؤولًا عن القضاء على خصوم هيئة تحرير الشام في منطقة إدلب، ولا سيما خلايا تنظيم حراس الدين وخلايا تنظيم داعش، وهي عملية نفذها بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات التركية والأمريكية.

ثم تم التخلي عن نهجهم الجهادي تدريجياً لصالح الإدارة السياسية والتكنوقراطية للمناطق الخاضعة لسيطرتهم، والتي جسدتها بشكل خاص حكومة الإنقاذ السورية الجديدة. من الواضح أن تركيا وروسيا مارستا تأثيراً كبيراً على تطور الثورة السورية في تلك الفترة، على الرغم من أن الفصيلين الرئيسيين اللذين شكلا هيئة تحرير الشام لم يشاركا في مفاوضات الأستانة[14]. ومع ذلك، لا ينخدع أحد بالدور الذي لعبته الدولتان الإمبرياليتان في لعبة الشطرنج الساخرة هذه.

في ذلك الوقت، كان أحمد الشرع لا يزال أبو محمد الجولاني، ومهما كانت استراتيجيته الشعبوية في ”السورنة“ ليصبح محاوراً موثوقاً على الساحة الدولية، فإن الجميع يعلم جيداً أنه لم يكن قادراً على السيطرة على الوضع دون أن يبقى إلى جانبه كلاب الحرب الجهاديين الذين شكلوا دائماً نواة قواته. ومن بين هؤلاء، مئات القتلة المأجورين من الجهاديين الدوليين الذين كان عليه أن يشكرهم إذ لولاهم ما كان له أن ينتصر في المعركة النهائية للإطاحة بالأسد.
وهذا بالضبط ما حدث بعد سقوط النظام. ففي نهاية كانون الأول ٢٠٢٤، عيّن الشرع العديد من الجهاديين السوريين والأجانب ومجرمي الحرب[15] من دائرته الداخلية في مناصب قيادية في الجيش الجديد، في إشارة إلى قرار الحل المرتقب لهيئة تحرير الشام كشرط مسبق لرفع العقوبات المفروضة على قيادة الهيئة وسوريا. وبعد ذلك بشهر، أعلن ١٨ فصيلًا مسلحًا حلّ أنفسهم للانضمام إلى الجيش الوطني الجديد، على الرغم أنه لم يتم الإعلان عن قائمة رسمية بالفصائل المعنية.

وبشكل واقعي، استفاد المئات من المجرمين من العفو العام وتطبيع الجهاد. وبعد مرور شهر، أعلنت الحكومة الانتقالية أنها تدرس منح الجنسية للمقاتلين الأجانب المناهضين للأسد الذين عاشوا في سوريا لعدة سنوات، وهو قرار لن يمنع رفع العقوبات المفروضة على سوريا، على الرغم من أن هذا يبدو مطلباً رئيسياً من جانب الولايات المتحدة. ويبدو أن مكافأة مرتزقتها تبدو أكثر أهمية من التخفيف من معاناة السوريين في نهاية المطاف: تطبيع الجهاد الدولي أو الثورة السورية، كما يبدو أن الشرع قد اختار. من الواضح أيضاً أن رجل دمشق القوي الجديد قد لا يكون لديه حرية الاختيار الكاملة، وأنه بعد أن أمضى سنوات في محاولة تطهير صفوفه من العناصر الأكثر تطرفاً بناء على نصيحة سديدة من عرابه التركي، لا أحد يعرف أكثر منه أن الطريقة الوحيدة للاستمرار في السيطرة على قطيع مسعور هي أن تبقيه قريباً منك وتشاركه قطعاً من الوليمة. كما أنه لا يجهل أن العديد من الجهاديين يريدون التخلص منه، خاصة وأنه الآن يصافح جميع أعدائهم الألداء.

ولتوضيح هذه المحاباة، أعلنت الحكومة المؤقتة قبل أيام قليلة أنها بدأت عملية سحب الجنسية من حوالي ٧٤٠ ألف مقاتل أجنبي موالٍ للأسد، من بينهم إيرانيون وعراقيون وأفغان وباكستانيون ولبنانيون. حيثما وجدت الإرادة، وجدت الطريقة. وبدلاً من ضمان تحقيق العدالة في جميع الجرائم المرتكبة ضد السوريين، فإن قرار الشرع يؤكد أن المرتزقة الأجانب ليسوا جميعاً في قارب واحد. وبالتالي يمكن لمرتزقته أن يستمروا في اضطهاد الكفار والزنادقة بسلام.

الطائفية والعشائرية: آفتا سوريا


عندما همست تركيا في أذن الشرع بأهمية عدم ترك المجال مفتوحاً أمام المطالب الفيديرالية، كانت هذه رسالة واضحة للفصائل الكردية المسلحة، وأيضاً لأي قوى مسلحة وسياسية أخرى من الأقليات. فكر الجميع على الفور في العلويين والدروز. فالعلويون ليس لديهم فصائل مسلحة على أساس مطالب طائفية، باستثناء بقايا النظام الذين ما زالوا مختبئين هنا وهناك، لكنهم لا يمثلون طائفتهم ولا يحمونها، بل هم من بقايا النظام. أما الدروز من جهة أخرى، فيستفيدون من هياكل دفاع ذاتي قوية للطائفة يجسدها أكثر من عشرين فصيلًا، ملتزمين بحماية سلامة طائفتهم ومصالحها وهويتها الثقافية، وفي الوقت نفسه يستفيدون من شبكات تضامن قوية بين الجاليات الدرزية في الخارج، لا سيما في فلسطين المحتلة ولبنان وبين المغتربين في بقية أنحاء العالم.

تمثل الطوائف الثلاث بالنسبة للسلطة الجديدة في دمشق علاقات قوة ورهانات دبلوماسية كبيرة، بل وتهديداً لمشروع الدولة المهيمنة والمركزية وأحادية الطائفة الذي يدافع عنه الشرع ورعاته الدوليين الرئيسيين: تركيا وقطر والسعودية. وعلاوة على ذلك، فإن روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل تتربص لاستغلال مطالب الطوائف الثلاث بالحكم الذاتي أو اللامركزية، في حين أن أوروبا والأمم المتحدة تطبق على الدوام نفس المخططات الأبوية التي تجعلنا نعتقد أن الأقليات تحتاج إلى حماة - وبالتالي إلى حماية - على الرغم من أن غالبية السكان الذين نتحدث عنهم لا يرغبون في أن يكونوا تحت وصاية أو حماية قوى أجنبية. ولكن بغض النظر عن الرأي الحقيقي لمختلف السكان، فإن الطائفية التي روج لها نظام الأسد لعدة عقود لا تزال سائدة فوق أي اعتبارات المساواة أو الديمقراطية. تتضافر نظريات المؤامرة والتحليلات الثنائية وحتى التحليلات التي تستند بوضوح إلى تحيزات طائفية أو معادية للأجانب مع الدعاية العدوانية لمختلف الإمبرياليات لإنتاج سيل مستمر من الضجيج الإعلامي الذي يستحيل معه الرؤية بوضوح أو الحفاظ على هدوء الأعصاب. على عكس ما كان عليه الحال في عام ٢٠١١، عندما كانت وسائل التواصل الفوري لا تزال غير متطورة نسبيًا، فإن شبكات التواصل الاجتماعي تنضم الآن إلى وسائل الإعلام التقليدية في نشر وإعطاء مصداقية لأكثر الشائعات غير القابلة للتصديق، والتي هي مع ذلك ذات مصداقية كافية لتحريض أي شخص على العنف وإنكار الجرائم المرتكبة. هكذا، عندما سقط النظام، انتهى المطاف بخيالات الغرب المذعورة حول مذبحة الأقليات إلى أن تتحقق جزئيًا عندما سقط النظام، مثل الكثير من النبوءات التي تحقق ذاتها بنفسها، ولكن بشكل أقل مما كان متوقعًا.

قبل أن نواصل، لا بدّ من التمييز بين سيناريو المجازر التي وقعت في الساحل السوري في بداية شهر آذار والمواجهات العنيفة التي استهدفت الطائفة الدرزية في بداية شهر أيار. ففي الحالة الأولى كانت فلول النظام المخلوع الذين اجتمعوا في مجموعات أطلق عليها ”لواء درع الساحل“ و”المجلس العسكري لتحرير سوريا“ و”المقاومة الشعبية السورية“[16] هي التي بدأت المواجهة مع السلطة المركزية في دمشق. وتشير العديد من المصادر إلى أن هذه المجموعات المكونة من مجرمي الحرب والجلادين الذين ظلوا موالين للأسد، كانت مدعومة من روسيا و/أو إيران في محاولة لإثارة عودة السلطة في الساحل وحتى خارجها. ومهما يكن من أمر، شنّ هؤلاء الفلول الذين لا يتجاوز عددهم بضع مئات هجومًا منسقًا على نقاط التفتيش والمباني الحكومية والمستشفيات، واستولوا على أحياء كاملة في بلدات جبلة وبانياس والقرداحة وهاجموا المدنيين وقوات الأمن التي وصلت لوضع حد للفتنة بشكل عشوائي.

في صفوف الأمن العام واستجابة لدعوته للتطوع على تطبيق تلغرام[17]، اندفع إلى الساحل آلاف المقاتلين المتطرفين المنتمين بشكل أو بآخر إلى الجماعات السلفية، وهم بدورهم ينتمون بشكل أو بآخر إلى الجيش الوطني السوري وهيئة تحرير الشام، بقصد الانتقام من الموالين والطائفة العلوية المدنية التي ينحدرون منها. بعض هذه المجموعات لم تحل نفسها بل وتناصب الشرع العداء، وتعتبر الأمن العام أحد الأذرع المسلحة للطائفة السنية التي تسعى للانتقام. وقد أسفر التمرد الموالي وما تلاه من تطهير عرقي وطائفي عن مقتل ما بين ٨٢٣ و١٦٥٩ مدنيًا ومقتل حوالي ٢٦٠ مقاتلًا من كل طرف[18]، حيث شارك الطرفان في مذبحة المدنيين.

أما في الحالة الثانية، فقد بدأ كل شيء بنشر تسجيل مفبرك يسيء إلى النبي محمد ونُسب إلى شيخ درزي يدعى مروان كيوان. من جدال على شبكات التواصل الاجتماعي، تطور الوضع سريعًا إلى شغب طائفي ومعادٍ للأجانب في جامعة حمص، بتحريض من طالب الهندسة البترولية عباس الخصواني، الذي شارك في الهجوم الدموي على الطائفة العلوية في الشهر السابق. وقد تم تصوير الطالب وهو يلقي خطاب كراهية ضد الدروز والعلويين والأكراد، ثم قام حشد من الطلاب بالتجول في حرم الجامعة ومهاجمة الطلاب الذين يبدو أنهم من غير المسلمين بشكل عشوائي. وقد شكرت الحكومة الانتقالية في البداية مثيري الشغب على غيرتهم الدينية دفاعاً عن النبي، قبل أن تنفي بخجل صحة التسجيل الصوتي. في الساعات الثماني والأربعين التي تلت ذلك، اقتحمت مجموعات مسلحة بلدات جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا ذات الأغلبية الدرزية (والمسيحية) رغم أنه ليس من الواضح من هي هذه المجموعات. إلا أن عدداً من المصادر المتفقة تشير بأصابع الاتهام إلى شبكات مؤلفة من بدو ومقاتلين إسلاميين من دير الزور ودرعا والغوطة. ورداً على ذلك، استنفرت الفصائل الدرزية في السويداء وانطلقت قافلة على الطريق إلى دمشق لدعم  الفصائل المحلية في صحنايا. أعقب ذلك كمين مميت قتل فيه أكثر من أربعين مقاتلاً درزياً، قبل أن تتعرض حوالي عشر قرى في منطقة السويداء للهجوم بدورها لمدة ثلاثة أيام من قبل مجموعات من درعا والقبائل البدوية في المنطقة. وفي النهاية انتشر الأمن العام حول المحافظة لمنع دخول مجموعات أخرى من درعا، لكن هذا التضييق على المنطقة ترافق مع ضغوط على القادة الدروز للموافقة على نزع سلاح الفصائل ودخول قوات الأمن العام إلى السويداء، وهو ما تم رفضه. وفي المقابل، تم الاتفاق على تفعيل دور الشرطة والأمن العام في المحافظة بشرط وحيد وهو أن يكون جميع أفرادها من أبناء المنطقة. وعندما انسحب الأمن العام من القرية الوحيدة التي كان يحتلها، وجد السكان منازلهم وأماكنهم المقدسة محروقة ومنهوبة. بعد يومين من انتهاء الأعمال القتالية، غادر عشرات الطلاب من السويداء جامعاتهم في دمشق وحمص، بينما بقي الطريق إلى دمشق مهدداً من قبل الجماعات المسلحة التي أطلقت النار على السيارات ووضعت حاجزاً تحت سيطرتها، بينما بدا الأمن العام عاجزاً أو متواطئاً. من جهة أخرى، قامت الحكومة الانتقالية بشكل مفاجئ بتعيين ثلاثة من زعماء القبائل البدوية في دير الزور على رأس جهاز المخابرات وهيئة مكافحة الفساد والمجلس الأعلى للقبائل والعشائر البدوية[19]. ومن المشروع التساؤل عما إذا كان ذلك إرضاءً طوعياً أم نتيجة ابتزاز وضغوط مارستها القبائل البدوية القوية في اتحاد قبيلة العكيدات للحصول على قطعة من الكعكة.

إن ما تقوله هذه الأحداث عن سوريا اليوم هو أنه لا يمكن أن تبقى رئيساً لسوريا دون أن تفاقم النعرات والتوترات الطائفية من جهة من أجل الاحتفاظ بالسيطرة على المناطق، ومن جهة أخرى أن تحظى بتأييد أكثر القوى رجعية في البلاد وحلفائها في الخارج. كما أن ذلك يؤكد أن المجتمع السوري لم يتعافَ ولن يتعافى قريبًا من أمراض الطائفية والعشائرية التي ترافقها. فبعد عقود من الانحدار الفكري والتراجع السياسي الذي تحقق بسياط حزب البعث القومي الاشتراكي، عادت سورية تدريجياً إلى ردود الفعل القبلية والعشائرية القديمة التي كانت موجودة قبلها. ضمن هذه الأرضية الخصبة، عاد النموذج الإسلامي الرافض للعلمانية والديمقراطية والتمثيل الشعبي إلى إطلاق يد رؤساء العائلات الكبرى (الشيوخ) وأمراء الحرب وغيرهم من الأمراء الذين سيحدد مدى قربهم من هذه السلطة وشرعيتهم في تقاسم منافعها. إن استيلاء الشرع على السلطة أثبت أن كونك الأقوى يكفي لأن تكون شرعيًا. ومن كان قادرًا على إظهار القوة المسلحة بالإضافة إلى الولاء سيكون مشكورًا على النحو الواجب. وهذا ما حققته قيادات الجماعات المسلحة التي قاتلت من أجل إسقاط النظام، والتي اتفقت على حلها داخل الجيش الوطني. وهو أيضاً ما قد يكون اتحاد قبيلة العكيدات قد حصل عليه للتو بعد استجابته لدعوة تلقين ”زنادقة“ السويداء درساً، مع موافقته على الانسحاب بمجرد حصول الحكومة على تسوية مبدئية من القادة الدروز.

وتشهد المغامرة الرجولية والقديمة المتمثلة في عبور الصحراء لإخضاع جيرانهم المتمردين لإثبات ولائهم للسلطان وباشاواته على العودة إلى النموذج الإقطاعي الذي سبق الانتداب الاستعماري الفرنسي. ما يميزه ويعطي الوضع الحالي بعدًا أكثر رعبًا هو استمرار ممارسات التجريد من الإنسانية العنصرية والإبادة الجماعية التي أدخلها المستعمرون الغربيون، والتي تم تكييفها مع السياق المحلي من قبل الجهاديين[20] منذ الثمانينيات، وبلغت ذروتها في عهد الديكتاتورية الأسدية. لا شك أن أبرز تعبير عن هذه الأنماط الجديدة من الإرهاب الفحولي هو تصوير الرجال العلويين وهم ينبحون والدروز بينما يحلقون لهم شواربهم، قبل أن يتم اقتيادهم مكبلين بالأغلال إلى جهة مجهولة.. في الحقيقة، لا يوجد ما يميز هذه الممارسة العنصرية عن تلك التي يستخدمها الجنود الإسرائيليون ضد العرب الفلسطينيين، مما يعزز فكرة أنها مستوردة من الغرب. ويبدو أن نسبة كبيرة من الجيل الشاب من المسلمين السنة الذين لم يشاركوا في ثورة ٢٠١١ ولكنهم نشأوا خلال الحرب الأهلية يتبعون مسارًا مشابهًا لمسار شبيحة بشار[21] في إثارة الفتنة، خاصة من خلال إغراق نشرات الأخبار وشبكات التواصل الاجتماعي بالمنشورات والتعليقات الطائفية التي تدعو إلى الانتقام والقتل باسم الدفاع عن هويتهم العرقية والطائفية التي يزعمون أنها مهددة. إن منطق جنون الارتياب هذا المتمثل في الاعتقاد بأن كل من حولنا يريد تدميرنا يؤدي بطبيعة الحال إلى رد فعل الانكفاء على الذات والالتفاف حول القائد الكاريزمي الذي من المفترض أن يضمن حمايتنا. لذلك ليس من المستغرب أن نرى الشرع يُقدَّم من قبل المسلمين السنة - لا سيما الشباب منهم - كبطل ثورة قامت بها طائفتهم ومن أجلها حصريًا، بينما تُحرم الطوائف الأخرى من مساهمتها في الثورة ضد الأسد. ويبدو أن ثورة السوريين جميعًا قد اختطفت من خلال الخطابات التبريرية والغيبية التي تقدم استيلاء هيئة تحرير الشام على السلطة كإنجاز إلهي يشبه عودة الأمويين عند البعض، أو العثمانيين عند البعض الآخر. إنها مكافأة الأمة. لذلك لا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن يحتفل الشرع بانتصاره في المسجد الأموي، وأن تتم دعوة أئمة التكفير القدامى مثل الشيخ عدنان العرعور - الذي اشتهر بتطعيم خطبه بشكل منهجي بالكراهية بين الأديان - إلى سوريا بعد سنوات من  المنفى والترحيب بهم كعقول مدبرة لثورة سنية انتصرت على ” ٤٥ عامًا من حكم الأقلية ”[22]. في هذه الأثناء، وفي الظل، فإن أغلبية السوريين المسلمين السنة المعتدلين والتقدميين والمسالمين - بما في ذلك الأكراد الفيدراليين - يتم تهميشهم مرة أخرى من قبل تطرف أقلية تحرض تحت الأضواء وتمارس السلطة بقوة السلاح.

يؤدي التفسير الطائفي المتطرف للعلاقات الاجتماعية والسياسية من قبل رجال الدين الأصوليين، والذي لا يزال أعضاء الحكومة ومؤيدوهم ينتمون إليه، إلى تبسيط خطير يؤدي إلى تبرئة عائلة الأسد من مسؤولية ديكتاتوريتها التي ألقيت على عاتق طائفة بأكملها، العلويين، أو حتى جميع الأقليات المرتبطة بهم: الشيعة والدروز والإسماعيليين وحتى المرشديين[23] الذين لا يكاد يسمع عنهم أحد سوى أن عشرات من أفرادهم أعدموا منذ كانون الأول على يد ”مجهولين“ في اللاذقية وحماة وحمص. وبالمثل، قُتل عدة مئات من المدنيين، بمن فيهم أطفال ونساء، منذ سقوط النظام، وخاصة في ريف حمص، حيث شهدت بعض القرى إعدام العديد من سكانها في نفس اليوم على يد مجموعات مسلحة تعمل في إطار ”العمليات الأمنية“ التي يقوم بها الأمن العام أو بالتوازي معها[24]. إذًا ليست الثورة التي تجري في سوريا منذ كانون الأول ٢٠٢٤، بل انتقام ٥٠ إلى ٦٠٪ من السوريين من كل ما عداهم. ونتيجة لذلك، يمكننا أن نفهم بشكل أفضل إحجام السلطة الجديدة عن تطبيق آليات العدالة الانتقالية اللازمة لاستكمال الثورة: ليس فقط لأن ذلك ليس أولوية لأنها ستسلط الضوء على اضطهاد جميع الطوائف دون استثناء، بل لأن ذلك سيؤدي إلى تجريم ومحاكمة العديد من ممثلي هذه السلطة الجديدة أنفسهم عن جرائمهم[25].

لا عدالة انتقالية، لا سلام

المطالبة بالعدالة كانت مطروحة من قبل مجموعات من أهالي المفقودين منذ الساعات الأولى بعد سقوط النظام، عندما كان العالم يتظاهر بأنه يكتشف للمرة الأولى حجم الرعب الذي كان يمثله النظام. يُجمع المجتمع السوري الذي عانى من العنف دون أن يكون في وضع يسمح له بإحداثه على أنه لا يمكن أن يكون هناك سلم اجتماعي ولا نظام يحترم السوريين دون عدالة انتقالية.  إذا أرادت المجتمعات السورية أن تتعافى من نصف قرن من الديكتاتورية وتعيش معًا مرة أخرى، فلا خيار أمام ممثلي الحكومة الجديدة سوى المضي بأسرع ما يمكن في اعتقال جميع رموز النظام وكل من شارك بشكل فعال في إخفاء وتعذيب وقتل عشرات الآلاف من السوريين. بالطبع، عندما نتحدث عن العدالة، فإننا لا نتحدث عن إعدامات فورية ومحاكمات صورية وجلسات استماع خلف الأبواب المغلقة وعمليات قتل علنية تعيد إنتاج الصدمات التي ولدتها الهمجية التكفيرية، بل عن عدالة شفافة تحترم المبادئ الأساسية لحق الدفاع وكرامة المتهم. الانتقام بالدم والإذلال بالدم ليس ما يحتاجه المجتمع السوري. بل على العكس، إذا ما أراد أن يتجدد ويخرج من دائرة العنف، فهو بحاجة إلى إظهار العدل والنزاهة، ولكن أيضاً الشدة تجاه من لم يظهر تجاهه سوى السادية والقسوة. يجب أن يبقى الهدف هو الصمود وليس مجرد إشباع غرائز الانتقام في المقام الأول.

ومن الواضح أيضاً أن المحاكمة الممنهجة لجميع أفراد جيش النظام المخلوع وميليشياته غير ممكنة وستكون مهمة في غاية الخطورة التي ستؤدي بدورها إلى تطهير واسع النطاق وتصفية حسابات لا نهاية لها. في مقابلة قيّمة للغاية مع مدير الشبكة الوطنية السورية لحقوق الإنسان، فاضل عبد الغني، نشرها موقع عنب بلدي السوري[26]، يصف عبد الغني عملية العدالة الانتقالية التي يمكن تطبيقها في سوريا. يميّز عبد الغني في هذا الحوار بين المكوّن القضائي والمكوّن المدني، حيث يأخذ الأخير شكل لجان ”الحقيقة والمصالحة“. وهو يقدّر عدد مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتبطة بالنظام السابق بحوالي ستة عشر ألفاً ومائتي شخص، يُعتقد أن نسبة ٩٠٪ منهم من العسكريين، ويعتبر أن ضباط الجيش من الرتبتين الأولى والثانية فقط هم المعنيون بالإجراءات الجنائية، بينما سيتم إدراج الضباط من الرتبة الثالثة إلى السادسة في برنامج لجان المصالحة. ولن يتم استثناء المسؤولين غير العسكريين، بمن فيهم رجال الأعمال، من الملاحقة القضائية.

ومن المستحيل حاليًا معرفة ما إذا كان هذا الإطار المتماسك قد تم قبوله وتنفيذه من قبل السلطات الجديدة. وبصرف النظر عن البيان المقتضب الذي أصدرته وزارة الداخلية على صفحتها على تطبيق تيليجرام إبان اعتقالهم، لا توجد آلية شفافة لمعرفة ما حدث لمن هم قيد التحقيق. لم يتم ذكر أي محكمة خاصة، ولا أي مهلة قضائية. على مدى الأشهر الأربعة الماضية، أظهرت الحكومة التي نصبت نفسها بنفسها عدم التزام مؤسف تجاه هذه القضية، كما أن الإفلات من العقاب الذي يتمتع به بعض كبار مجرمي النظام السابق يساعد على تآكل ثقة السوريين. لقد كان الإجلاء الدبلوماسي لعشيرة الأسد إلى روسيا والإمارات العربية المتحدة خيانة للسوريين وللثورة بالفعل. وكان تعيين سلسلة كاملة من التكفيريين ومجرمي الحرب في مناصب المسؤولية مع وعد التكفيريين الأجانب بالحصول على الجنسية خيانة ثانية.

وبالإضافة إلى هذه القرارات السيئة للغاية التي تم اتخاذها باسم الاستقرار قصير الأمد، قامت السلطات الجديدة كذلك باعتقال عدد من المجرمين سيئي السمعة من النظام السابق، لتقوم بإطلاق سراحهم بسبب ”عدم كفاية الأدلة“ أو لتقوم بـ”تسوية أوضاعهم“ أو حتى لمنحهم عفوًا صريحًا. وأفضل مثال على ذلك هو بلا شك القائد العام لقوات الدفاع الوطني، فادي أحمد الملقب بـ”فادي صقر“، المسؤول المباشر عن العديد من المجازر، وأشهرها مجزرة التضامن التي وقعت في نيسان عام ٢٠١٣، وطلال شفيق مخلوف القائد العام للحرس الجمهوري ومدير مكتب القائد العام للجيش والقوات المسلحة والمسؤول المباشر عن قتل العديد من المتظاهرين خلال الاحتجاجات السلمية في دوما وحرستا ونوى ودرعا في عام ٢٠١١.  ويمكننا أن نضيف إلى هذه الحالات حالة محمد غازي الجلالي، وزير الاتصالات السابق ثم رئيس الوزراء، ومحمد الشعار، وزير الداخلية السابق[27]، وعدد من الشخصيات رفيعة المستوى الأخرى في الجهاز القمعي لنظام الأسد، الذين استفادوا منذ ذلك الحين من إجراءات ”تسوية أوضاعهم“ مقابل تعاونهم. في السابع من شباط ٢٠٢٥، ردّ أهالي التضامن بغضب على زيارة فادي صقر إلى مسرح جرائمه بصحبة مسؤولين في الأمن العام، بهدف ”تبرئة“ نفسه من خلال إدانة شركائه السابقين[28]. وبعد مرور شهرين، كان غياب السلطات واضحاً في إحياء ذكرى مجزرة ١٦ نيسان، في حين لم يتم إقامة أي طوق أمني أو تحقيق جنائي جدير بالذكر حول مجموعة المباني التي كانت لسنوات عدة بمثابة ”منطقة قتل“ للدفاع الوطني، والتي لا تزال المقابر الجماعية فيها موجودة دون شك. بل على العكس من ذلك، تم تعيين فادي صقر على رأس لجنة المصالحة التي أُرسلت إلى الساحل السوري في أعقاب المجازر في بداية شهر آذار، وهو المنصب الذي تفاوض من خلاله على إطلاق سراح ضباط نظام الأسد السابقين الذين تم اعتقالهم في تلك المناسبة. أقل ما يمكننا قوله هو أن التعاطف ومراعاة صدمة الضحايا والناجين ليست من السمات المميزة للسلطات الجديدة. وفي الآونة الأخيرة، واصل موظفون آخرون سيئو السمعة من النظام المخلوع الظهور العلني واستغلال مكانتهم الاجتماعية المتميزة، بل والظهور بشكل متباهٍ إلى جانب ممثلي السلطات الجديدة[29].

وأخيراً، وربما الأكثر إثارة للقلق، أظهرت السلطات الجديدة تجاهلاً صارخاً لملفات السجناء والمختفين[30]، تاركةً العائلات دون دعم أو أجوبة[31]، بينما أهملت لأسابيع عديدة حماية أرشيف أكثر من 800 جهاز أمني وأماكن الاحتجاز قبل أن تقرر أخيراً تقييد وصول الجمهور إليها جزئياً[32]. ساحة المرجة في دمشق، حيث اعتاد أقارب المختفين الاجتماع في الأسابيع التي أعقبت سقوط النظام لدعم بعضهم البعض وجمع المعلومات، تم تنظيفها فجأة من مئات صور المختفين في كانون الثاني في إطار حملة تنظيف واسعة بدأها الدفاع المدني بعنوان ”عدنا يا دمشق”، في حين تسببت مجموعة تدعى  ”أيادي الخير” بفضيحة من خلال تغطية النقوش التي تركها السجناء على جدران أحد السجون بلوحات تمجد الثورة، بموافقة مسبقة من السلطات. إن اللامبالاة والإهمال، أو حتى التلهف على تبييض صفحة الماضي لا يبعث على الاطمئنان، حتى لو وجد أكثر المتفائلين سبباً وجيهاً لإقناع أنفسهم بأن الأمور عادية ومن الطبيعي أن تستغرق وقتاً، وأن السلطات تبذل قصارى جهدها أو أن العمليات الجارية تقدم إشارات مشجعة. ومع مرور خمسة أشهر على سقوط النظام، فإن هذا الإصرار على النسبية وغياب الحكم النقدي حول طبيعة ومسؤوليات معظم ممثلي أجهزة الدولة الجديدة بات يتسم بالسذاجة وعدم المبالاة. أما بالنسبة لأقارب الضحايا والمفقودين، فلا يزالون مدفوعين بنفس الأمل الذي مكنهم من البقاء على قيد الحياة طوال هذه السنوات. لم يتم القيام بأي شيء حقيقي، لا بالفعل ولا بالقول، لتمكينهم من العثور على السلام.

سوريا، مجتمع معدم تديره دولة متسولة

إن الحالة الكارثية التي ترك فيها الأسد البلاد تشهد ليس فقط على المقاومة والصمود المذهلين للشعب السوري، بل أيضًا على قدرة البشر التي لا تقدر بثمن على البقاء على قيد الحياة في أبشع الظروف. عندما ننظر إلى الاقتصاد السوري، ندرك إلى أي مدى وصلت إليه البلاد من دمار في بنيتها التحتية. والتخريب هو أقل ما يمكن أن يقال عنه: سوريا عبارة عن جثة مجوفة صدئة، بدأ هيكلها العظمي يتآكل بالفعل قبل سقوط النظام. كان جنود النظام يبيعون الأثاث والبضائع المنهوبة لإطعام أنفسهم، وعندما حانت النهاية، لم ينتظروا حتى اقتراب العدو قبل أن يتخلوا عن أسلحتهم وزيهم العسكري، بينما كان السكان يندفعون إلى جميع المباني العامة لنهب كل ما يستطيعون. الأمر الأكثر إثارة للدهشة في سوريا بعد ذلك هو الطبيعة المطلقة لعمليات النهب: لم يقتصر الأمر على الأثاث الذي تم نهبه، بل تم اقتلاع الكابلات والأنابيب والأبواب والنوافذ والبلاط والقرميد، وصولاً إلى العوارض المعدنية والطوب والكتل الحديدية التي تشكل هيكل المباني. ناهيك عن المركبات (بما في ذلك الدبابات) والأشجار التي تم تقطيعها أو اقتلاعها بشكل منهجي، ليتحول المجال العام بأكمله إلى أرض قاحلة. وإذا ما أمعنت النظر في البلدات والأحياء التي سويت بالأرض بفعل القصف، سترى أيضًا أن جميع المباني التي كانت مدمرة قد تم تجريدها تمامًا من كل شيء فيها، كما لو أن كل شقة من آلاف الشقق التي تم هدمها بهذه الطريقة قد تم تفريغها من كل ما تحتويه. وقد تم تنفيذ ذلك من قبل عملاء النظام وجنوده، حيث أن بعض المناطق كانت محظورة على السكان حتى سقوط الأسد. بين دمشق ومحافظة السويداء، وصل الأمر باللصوص إلى حد هدم أعمدة الكهرباء ذات التوتر العالي وتقطيعها ونزع الكابلات الكهربائية التي تزود آلاف المنازل بالكهرباء. هناك حالة من الهيجان في كل مكان، وكل جزء من هذا الوحش يساوي شيئاً.

النهب هو أحد الآفات الرئيسية التي تعاني منها سوريا الجديدة. كانت هذه الظاهرة موجودة قبل سقوط النظام ولا يمكن إلقاء اللوم على السلطات الجديدة، على الرغم من أنها ازدادت ولا يبدو أنه تم فعل أي شيء على الإطلاق لوضع حد لها أو لحماية البنية التحتية. إن التقدم الوحيد الذي يمكن أن يضع حداً لهذا التخريب الذاتي من قبل الشعب السوري نفسه هو استعادة الاقتصاد المستقر، أو على الأقل حدوث تحسن ملموس فيه. لكن يبدو أن البنك المركزي السوري قرر تطبيق أسلوب محفوف بالمخاطر، من خلال تقييد السيولة[33] مع رفض التدخل في سعر الصرف[34] وكبح المضاربة غير المشروعة في الليرة السورية، وهو ما يؤدي إلى تقلبات شديدة في سعر الصرف وخسائر كبيرة في أموال السوريين، في بلد لا يزال ٩٠٪ من سكانه يعيشون تحت خط الفقر. أما المستفيدون الرئيسيون فهم المضاربون، في حين لم يرتفع حجم الاستثمار والإنتاج المحلي أو الصادرات. لا تطبع الحكومة أي عملة جديدة، ولا تتدخل لحصر صرف العملة في مكاتب الصرافة الرسمية، حيث يستغل مئات التجار الصغار هذا النشاط لتحقيق الربح. في الوقت نفسه، بدأت الأسواق تغرق بالمنتجات منخفضة الأسعار، خاصة من تركيا، مما يهدد الإنتاج المحلي الهش أصلاً[35]، في حين لم يشهد دخل السوريين أي ارتفاع ملحوظ، كما أن معدل البطالة تجاوز نسبة ٢٥٪. ويبدو أن الحكومة الجديدة تعتمد بشكل حصري على الاستثمار الأجنبي. وبالتالي، فإن الوضع الحالي ينذر بافتراس رأسمالي قادم، ومعه شكل آخر من أشكال النهب الواسع النطاق، والذي سيستفيد منه المضاربون وليس عموم السوريين. ونعلم هذا النمط جيدًا، يكفي أن ننظر إلى الوضع في لبنان واليونان.

من هذا المنظور الانتهازي، لم تنتظر الدبلوماسية الدولية أسبوعين لتعود إلى مسارها الطبيعي، حيث كان أصحاب رؤوس الأموال من شبه الجزيرة العربية وأوروبا أول من سارع إلى القصر الرئاسي في دمشق بهدف استعادة العلاقات الاقتصادية مع سوريا بأسرع وقت ممكن والاستفادة القصوى من الوضع الإقليمي الجديد. في ٢٣ كانون الأول ٢٠٢٤، كانت قطر أول دولة أجنبية بعد تركيا[36] ترسل وفداً إلى سوريا للقاء السلطات السورية الجديدة، بينما قام الشرع بأول زيارة خارجية له في الثاني من شباط ٢٠٢٥، حيث توجه إلى المملكة العربية السعودية في زيارة حظيت بتغطية إعلامية كبيرة، زار خلالها مكة المكرمة وقدم شريكته لطيفة الدروبي للعالم، قبل أن يطير مباشرة إلى تركيا[37]. وبعيدًا عن الاستعراض، تشهد هذه الزيارات على الرغبة في وضع المملكة العربية السعودية وقطر في طليعة السياسة الخارجية السورية. إذ تخطط الدولتان لاستعادة السيطرة على قطاع الطاقة من خلال إحياء إنتاج الكهرباء الذي يغذيه الوقود الأحفوري الخليجي بشكل حصري تقريباً. وسيؤدي ذلك إلى حرق الكثير من الغاز[38]. بدأت الدولتان بتقديم أطنان من المساعدات الإنسانية إلى سوريا في اليوم التالي لأول اجتماعاتهما الرسمية، وتعهدتا أيضاً بتسديد ديون سوريا للبنك الدولي البالغة قيمتها ١٥ مليون دولار، في إشارة إلى وجود استثمارات كبيرة مطروحة على الورق: لا شيء مجاني. ثم كانت ألمانيا وفرنسا من أوائل الدول الأوروبية التي طرقت باب الجهاديين السابقين في الثالث من كانون الثاني ٢٠٢٥[39]، تلتهما إيطاليا في العاشر من الشهر التالي، وكانت الدول الثلاث هي المستفيد الرئيسي من صادرات النفط السورية[40] عشية ثورة ٢٠١١. كما كانت هذه الدول الثلاث أول من طبقت تعليق إجراءات اللجوء للسوريين في اليوم التالي لسقوط النظام ودعت إلى رفع العقوبات المفروضة على سوريا، بينما كانت فرنسا أول دولة أوروبية تستقبل الشرع في السابع من أيار ٢٠٢٥، رغم استمرار إدراج اسمه على اللائحة السوداء للإرهاب. بالنسبة لماكرون، فإن حالة الاستثناء هي أسلوب من أساليب الحكم، وتوقيع العقود المثيرة يستحق غض الطرف عن جزء من مأساة الشعب السوري. ولم يُطلب من الشرع سوى الإدلاء ببعض التصريحات الرمزية لصالح حماية حقوق الإنسان والعدالة. ولكن مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن الإعلان ليس ملزماً ويبقى مجرد وعد هدفه الأساسي شراء السلم الاجتماعي وخداع أكثر الليبراليين سذاجة. إن شركاء سوريا الاقتصاديين لن يبادروا مطلقاً لجعل استعادة العلاقات التجارية مشروطة بالتطبيق الصارم، تحت إشراف دولي، لنظام ديمقراطي يمثل التنوع في سوريا وعدالة انتقالية تستثني عقوبة الإعدام والمعاملة اللاإنسانية والمهينة. بدلاً من ذلك، وكما ذكرنا سابقًا، كل ما هو مطلوب من الشرع هو التزام شفهي بـ”حماية الأقليات“ و”تحييد الدولة الإسلامية“، كما كان الحال بالفعل منذ عقد من الزمن مع بشار الأسد. وهذا ليس بالأمر الجلل.

في النظام الرأسمالي، كل شيء خاضع للصفقات والتسويات. يمكن أن ننتظر استنتاجات لجنة التحقيق في مجازر الساحل السوري بضعة أشهر أخرى، حتى يتم رفع العقوبات المفروضة على سوريا ويمكن للشرع أن يتراجع عن وعوده بهدوء بمجرد استعادة التجارة الدولية. نحن نشهد حالياً تحوّلاً تاريخياً نحو اندماج الليبرالية الاقتصادية والمحافظة المجتمعية كما حدث في الولايات المتحدة في عهد جورج بوش وابنه جورج دبليو بوش، ولكن في نسخته الإسلامية الموجودة بالفعل في المملكة العربية السعودية. لذلك يجب ألا نندهش إذا كان مصير سوريا مرهونًا بالعلاقة بين أحمد الشرع ودونالد ترامب ومحمد بن سلمان. ويأتي مقالنا هذا في الوقت المناسب تمامًا، حيث من المقرر أن يجتمع الثلاثة في المملكة العربية السعودية بعد أيام قليلة…

الشريعة الإسلامية متوافقة مع الرأسمالية، وكذلك أحمد الشرع.

الملاحظات

[1]ماهر علوش ( ١٩٧٦، حمص)، كاتب وباحث متخصص في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعدالة الانتقالية، حسن الدغيم (١٩٧٦، إدلب)، خريج الدراسات الإسلامية والفقه المقارن، محمد مستات (١٩٨٥، حلب)، خريج الهندسة الإلكترونية, العلوم السياسية والدراسات الإسلامية، يوسف الحجار، ومصطفى الموسى، صيدلاني وعضو في هيئة تحرير الشام، وهند قبوات ( ١٩٧٤، الهند)، حاصلة على ماجستير في القانون والعلاقات الدولية، وهدى الأتاسي، مهندسة مدنية حاصلة على شهادة في الهندسة المعمارية وتكنولوجيا المعلومات.

[2] عبد الحميد العواك الحاصل على دكتوراه في القانون الدستوري، وياسر الهويش الذي عُيّن مؤخراً عميداً لكلية الحقوق في جامعة دمشق، وإسماعيل الخلفان الحاصل على دكتوراه في القانون تخصص قانون دولي، ومحمد رضا جلخي الحاصل على دكتوراه في القانون تخصص قانون دولي، وبهية مارديني الصحفية الوحيدة الحاصلة على دكتوراه في القانون.

[3] أنس خطاب ( ١٩٨٧، ريف دمشق)، وزيراً للداخلية؛ مرهف أبو قصرة (١٩٨٤، حماة)، وزيراً للدفاع؛ وأسعد الشيباني (١٩٨٧، الحسكة)، وزيراً للخارجية والمغتربين; مظهر الويس (1980، دير الزور)، وزيراً للعدل؛ محمد أبو الخير شكري ( ١٩٦١، دمشق)، وزيراً للأوقاف؛ مروان الحلبي (١٩٦٤، القنيطرة)، وزيراً للتعليم العالي; هند قباوات ( ١٩٧٤، الهند)، المرأة الوحيدة، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل؛ محمد البشير (١٩٨٤، إدلب)، وزيراً للطاقة؛ محمد يسر برنية، وزيراً للمالية؛ محمد نضال الشعار (١٩٥٦، حلب)، وزيراً للاقتصاد والصناعة؛ مصعب نزال العلي (١٩٨٥، دير الزور)، وزيراً للصحة; محمد عنجراني ( ١٩٩٢، حلب)، وزير الإدارة المحلية والبيئة؛ رائد الصالح (١٩٨٣، إدلب)، وزيراً للطوارئ وإدارة الكوارث؛ عبد السلام هيكل (١٩٧٨، دمشق)، وزيراً للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات؛ أمجد بدر (١٩٦٩، السويداء)، وزيراً للزراعة والإصلاح الزراعي; محمد عبد الرحمن تركو ( ١٩٧٩، عفرين)، وزيراً للتربية والتعليم؛ مصطفى عبد الرزاق (١٩٨٩، ١٩٨٩)، وزيراً للأشغال العامة والإسكان؛ محمد ياسين صالح (١٩٨٥، اللاذقية)، وزيراً للثقافة؛ محمد سامح حامدة (١٩٧٦، إدلب)، وزيراً للشباب والرياضة; مازن الصالحاني ( ١٩٧٩، دمشق)، وزيراً للسياحة؛ محمد سكاف (١٩٩٠)، وزيراً للتنمية الإدارية؛ يعرب بدر (١٩٥٩، اللاذقية)، وزيراً للنقل؛ حمزة المصطفى، وزيراً للإعلام.

[4] إلا من خلال الوكلاء.

[5] https://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/deal-for-joint-military-action-with-us-in-syria-could-elevate-russia-as-well-as-defeat-isis-a7237256.html

[6] https://www.middleeasteye.net/fr/news/russia-and-turkey-agree-deal-coordinate-strikes-syria-1427197601

[7] https://arabcenterdc.org/resource/jordan-and-the-us-russia-deal-in-southern-syria/

[8] https://www.dohainstitute.org/en/PoliticalStudies/Pages/Israel-Reacts-to-US-Russian-De-Escalation-Agreement-in-Syria.aspx

[9] راجع تاريخ اللواء الثامن التابع للعودة - https://middleeastdirections.eu/new-publication-med-the-eighth-brigade-striving-for-supremacy-in-southern-syria-al-jabassini/

[10] لا يزال حالياً في منصبه.

[11] قُتل ما بين ٤٣٥٦ إلى ٦٤٥٦ مدنيًا وفقًا لموقع airwars.org وقتل ٨٧٦٣ مدنيًا وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان.

[12] زهران علوش (مؤسس لواء الإسلام في أيلول ٢٠١١، والذي أصبح جيش الإسلام في ٢٠١٣)، وأحمد عيسى الشيخ (مؤسس صقور الشام في أيلول ٢٠١١)، وأبو خالد السوري وحسن عبود (مؤسسا أحرار الشام في كانون الأول ٢٠١١).

[13] ويقال أيضًا إن أنس حسن خطاب كان ضابط اتصال لأجهزة الاستخبارات التركية (MIT). ويُعتقد أنه كان يعمل تحت إمرة الضابط في جهاز المخابرات التركية (MIT) كمال إسكندرون، المعروف لدى الجهاديين باسم أبو فرقان، الذي كان هو نفسه تحت إمرة هاكان فيدان، ثم إبراهيم كالين، رئيسي المخابرات التركية من عام ٢٠١٠ إلى ٢٠٢٣ ومنذ عام ٢٠٢٣. بعد ١٥ عامًا من التعاون الوثيق، كان إبراهيم كالين وهاكان فيدان أول المسؤولين الأجانب الذين زاروا دمشق بعد سقوط نظام الأسد. وشوهد الأول يصلي مع الشرع في الجامع الأموي في ١٢ كانون الأول ٢٠٢٤، بينما احتفل الثاني مع الشرع بانتصار تركيا على مرتفعات قاسيون في ٢٢ كانون الأول ٢٠٢٤.

[14] ومن بين قادة المعارضة الحاضرين في الأستانة محمد علوش (جيش الإسلام)، وفارس البيوش (جيش إدلب الحر)، وناصر الحريري (الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية)، وأبو أسامة الجولاني (الجبهة الجنوبية المؤلفة من ٥٨ فصيلاً معارضاً). وتشارك إحدى عشرة مجموعة أخرى في المفاوضات.

[15] عبد الرحمن حسين الخطيب الملقب ”أبو حسين الأردني“ (أردني، لواء)؛ عمر محمد الجفتاشي الملقب ”المختار التركي“ (تركي، لواء)؛ عبد العزيز داود خدابردي الملقب ”أبو محمد التركستاني“ أو ”الزاهد“ (صيني، لواء)؛ عبد السمريز جشاري المكنى ”أبو قتادة الألباني“ (الباني، عقيد)؛ علاء محمد عبد الباقي (مصري، عقيد)؛ مولان طرسون عبد الصمد (طاجيكستاني، عقيد)؛ ابن أحمد الحريري (أردني، عقيد)؛ عبد السلام ياسين أحمد (صيني ويغور، عقيد) ...

[16]وقادة هذه المجموعات هم، على التوالي، القائد السابق للحرس الجمهوري الأسدي مقداد فتيحة والقائد السابق للفرقة الرابعة المدرعة في الجيش العربي السوري غياث دلة ومنذر و.

[17] وبعد أن أدركت السلطات حجم المشاركة الطوعية في الهجوم - ولا شك الفوضى العارمة التي أعقبت الساعات الأولى من الاشتباكات - أعلنت السلطات لاحقاً أن هذا الدعم لم يعد ضرورياً.

[18] تختلف الأرقام وفقًا للمصدرين الرئيسيين: المرصد السوري لحقوق الإنسان والشبكة السورية لحقوق الإنسان.

[19] عُين حسين السلامة رئيسًا للمخابرات خلفًا لأنس خطاب، وعامر نامس العلي رئيسًا للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش (مكافحة الفساد)، والشيخ رامي شاهر الصالح الدوش رئيسًا للمجلس الأعلى للقبائل والعشائر. وينحدر الثلاثة من بلدة الشحيل في محافظة دير الزور التي يقل عدد سكانها عن ١٥ ألف نسمة.

[20] والتي ليست سوى نسخة عربية إسلامية من الفاشية الأوروبية.

[21] أما الشبيحة فهم أنصار النظام وأتباعه ومرتزقته، وقد تم دمج معظمهم في قوات الدفاع الوطني وغيرها من المجموعات شبه العسكرية.

[22] على حد تعبير وزير الخارجية السوري الجديد أسعد الشيباني خلال كلمته في المؤتمر التاسع للمانحين من أجل سوريا في بروكسل في ١٧ آذار ٢٠٢٥.

[23] والمرشدية هي ديانة حديثة تأسست عام ١٩٢٣ في منطقة اللاذقية على يد سلمان المرشد. وهذه الديانة مشتقة من العلوية ولا يوجد لها أتباعها إلا في سوريا، حيث يتراوح عددهم بين ٣٠٠ ألف و٥٠٠ ألف.

[24] يمكنكم الاطلاع على خريطة الوقائع التي أوردها المرصد السوري لحقوق الإنسان على الصفحة الرئيسية لموقعنا الإلكتروني: https://interstices-fajawat.org/fr/accueil/

[25] كما هو الحال بالفعل مع فصيل جيش الإسلام الذي اعتُقل اثنان من أعضائه هما مجدي نعمة الملقب بإسلام علوش وعصام البويضاني الملقب بأبو همام، وتمت ملاحقتهما قضائيًا في إجراءات قانونية دولية قبل أن يتم منحهما الحصانة الدبلوماسية.

[26] https://english.enabbaladi.net/archives/2025/02/transitional-justice-in-syria-steps-to-diffuse-tension/

[27] ttps://english.enabbaladi.net/archives/2025/02/former-syrian-interior-minister-mohammad-al-shaar-surrenders-to-authorities/

[28] وفي أعقاب هذه الزيارة المثيرة للجدل، اعتقل الأمن العام بشكل سري قائد الفرع المحلي لقوات الدفاع الوطني غدير السالم، ثم -مع مزيد من الضجة الإعلامية- ثلاثة من مرؤوسيه وهم منذر الجزائري وسومر محمد المحمود وعماد محمد المحمود.

[29] هذه هي حالة : فرحان المرسومي، زعيم إحدى العشائر البدوية في دير الزور، المتورط بقوة في تهريب المخدرات إلى العراق بالتعاون مع الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد والميليشيات الإيرانية؛ أغنيس مريم دي لا كروا، رئيسة دير ”سان جاك لو موتيليه“ الكرملي في حمص، وهي متواطئة وناشطة في الدعاية لنظام الأسد; الدكتور تمام اليوسف، جراح القلب وشقيق العميد علي معز الدين يوسف الخطيب، رئيس جهاز المخابرات الجوية في إدلب، المشتبه به في الفساد والاختلاس بالتعاون مع نظام الأسد; صفوان خير بيك الملقب ”صفوان شفيق جعفر“، زعيم مافيا من جبلة وقائد قوات الدفاع الوطني، مرتبط بعائلة الأسد من خلال أبناء عم بشار الأسد، منذر الأسد وأيمن جابر - المصدر : زمان الوصل - https://www. zamanalwsl.net/

[30] ويُقدّر عدد المفقودين بما يتراوح بين ٩٦ ألفًا و١٥٨ ألفًا، بما في ذلك حالات الاختفاء القسري المنسوبة إلى نظام الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية وقوات سوريا الديمقراطية وفصائل المعارضة المسلحة والجيش الوطني السوري وهيئة تحرير الشام.

[31] لم تحصل عائلات المختفين الذين مثلتهم ”الحملة السورية“ على لقاء مع الشرع في شباط ٢٠٢٥ إلا من خلال الظهور العلني والتجمّعات خلال الأشهر الثلاثة التي تلت سقوط النظام. https://diary.thesyriacampaign.org/my-father-is-still-missing-join-wafas-struggle-to-uncover-the-truth-about-syrias-disappeared/

[32]   في تاريخ ٢٠ كانون الأول ٢٠٢٤، حثت رابطة المعتقلين والمفقودين في سجن صيدنايا ومنظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش ولجنة التحقيق الدولية المستقلة التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الحكومة الانتقالية على اتخاذ خطوات لحماية الأرشيف والأدلة على الفظائع التي ارتكبت على نطاق واسع.  https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/syria-preserve-evidence-mass-atrocities-enar

[33] وقد تم تجميد عمليات السحب من ماكينات الصراف الآلي، في حين شهد عدد كبير من موظفي الخدمة المدنية انقطاع رواتبهم.

[34] تأرجح سعر الصرف بين عشرة آلاف و ١٢ ألف ليرة مقابل الدولار الواحد خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام ٢٠٢٥، مقارنة بسعر ١٤,٧٥٠ ليرة قبل سقوط النظام، و ١٥ ألفًا في اليوم التالي، وانخفاض استثنائي إلى ثمانية آلاف في بداية شهر شباط.  https://www.sp-today.com/en/currency/us_dollar/city/damascus

[35] https://english.enabbaladi.net/archives/2025/02/turkish-goods-undermine-local-products-in-syria

[36] أعيد افتتاح السفارة التركية في دمشق في ١٤ كانون الأول بعد انقطاع العلاقات الدبلوماسية لمدة ١٢ عاماً، وزار وزير خارجيتها هاكان فيدان الشرع رسمياً في ٢٢ كانون الأول، عشية زيارة قطر.

[37] يجب تمييز علاقة سوريا مع تركيا عن علاقتها مع قطر والمملكة العربية السعودية. ففي حين تتسم الأولى بشكل أكبر بنوع من التبعية العسكرية والاستراتيجية، والتي تنطوي على شكل من أشكال التمدد الاستعماري والقبضة الأمنية التركية على سوريا، فإن العلاقة الثانية اقتصادية بالدرجة الأولى.

[38] من المتوقع أن تنتج محطة كهرباء دير علي ٤٠٠ ميغاواط يوميًا عن طريق حرق الغاز الطبيعي الذي تورده قطر عبر الأردن.

[39] لا يزال أحمد الشرع على قائمة الإرهاب الدولي تحت اسمه الحركي ”أبو محمد الجولاني“، لكن الولايات المتحدة ألغت الوعد بمكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يقبض عليه.

[40] كانت الدول المستوردة الرئيسية للنفط الخام السوري في عام ٢٠١٠ هي ألمانيا (٣٢٪) وإيطاليا (٣١٪) وفرنسا (١١٪) وهولندا (٩٪) والنمسا (٧٪) وإسبانيا (٥٪) وتركيا (٥٪).

نبذة عن المؤلف: سيدريك دومينجو باحث مستقل وناشط مقيم في أوروبا. تتركز مجالات بحثه حول المنفى والعنف السياسي والاستعمار والدفاع الذاتي للمجتمعات، لا سيما في أوروبا الغربية والاتحاد السوفياتي السابق والمشرق العربي. وهو يبحث في مسألة نجاة المجتمعات السورية ودفاعها عن نفسها، كما يعمل على إنتاج فيلم وثائقي عن السويداء، في إطار مبادرة فجوات.

 

دعوة إلى جميع القوى التقدمية السورية!

دعوة إلى جميع القوى التقدمية السورية!

Fajawat Collective

بواسطة Fajawat Collective | ديسمبر 12, 2024

باستثناء المتواطئين مع نظام الأسد والسكان المدنيين الذين لا يزالون مستهدفين في شمال وشرق سوريا، فإن جميع السوريين سعداء بتحرير سوريا بفضل هجوم الثوار السوريين ودعم العديد من المجتمعات السورية التي كانت تنتظر فقط إشارة للمشاركة في التحرير.

فبعد مرور ٥٨ عاماً على واحدة من أشرس الديكتاتوريات، وليس ١٣ أو ٢٤ عاماً كما روجت وسائل الإعلام الغربية، كان السوريون بحاجة إلى ٤٨ ساعة على الأقل ليتنفسوا ويشاركوا فرحتهم اللامتناهية وبكاءهم وفرحهم بل ودموعهم التي طالما تم كبتها.

الكثيرون في الخارج لم يراعوا هذه الحاجة، واستمروا في استصغار السوريين واحتقار تطلعاتهم الديمقراطية والعلمانية، ملوحين باستمرار بالخطر الإسلامي أمام وجوهنا منذ بدء هجوم الثوار (الذي نرفض اختزاله في هيئة تحرير الشام، لأن مئات الفصائل الأخرى انضمت إلى العملية).

لم نكن بحاجة إلى من يخبرنا بذلك. لقد كنا من أوائل من عانوا من هذا التهديد، الذي لازمنا لسنوات، ولكننا نعلم أيضًا أن الجماعات الإجرامية الجهادية لم تنشأ من تلقاء نفسها. فقد وُلدت من رحم الفوضى التي أنتجتها عقود من الاستعمار والغزو المسلح والقصف العشوائي.

وبعد أن تم الاحتفال بذلك، يجب على القوى التقدمية في سوريا الآن أن تتحرك بسرعة وألا تسترخي مبكرًا. فالتهديدات بردود الفعل الرجعية والأصولية حقيقية.

لهذا السبب نريد أن نشارككم بعض المطالب الأساسية، ليتم نشرها على نطاق واسع داخل جميع المجتمعات السورية ونقلها إلى أولئك الذين سيضمنون الانتقال السياسي في سوريا.

يجب علينا:

إنهاء العنف:

  •  وضع حد فوري لجميع التدخلات العسكرية في مناطق إدلب وحلب والرقة ودير الزور والحسكة وتنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار بين قوات المعارضة وقوات وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية المسلحة;
  •  إدانة الغارات الجوية الأجنبية على الأراضي السورية ووضع حد نهائي لها;
  •  المطالبة بتحرير الأراضي السورية والمجتمعات المدنية التي تحتجزها الدول المجاورة والجماعات المسلحة التي تخدم مصالحها، ولا سيما إسرائيل وتركيا في الجولان والقنيطرة وغرب دمشق وإدلب وحلب والرقة والحسكة;
  •  نزع سلاح المقاتلين المسلحين غير السوريين ومطالبتهم بمغادرة البلاد أو العودة إلى ديارهم أو طلب اللجوء في سوريا، على أن يتم النظر في ذلك في ضوء التحقيقات الجدية في الجرائم التي ارتكبتها الجماعات المسلحة التي ينتمون إليها;
  •  ضمان وصول المنظمات الإنسانية الدولية غير الحكومية والصحفيين إلى الأراضي السورية.

 

تنفيذ عملية العدالة التصالحية:

  •  التوثيق (ماديًا ورقميًا) وتحليل أرشيف الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد، ثم إتاحته للاطلاع عليه من قبل المعنيين، لتمكين التظلم وجبر الضرر عن الجرائم، وكذلك محاكمة الجناة;
  •  توثيق قوائم المعتقلين وضحايا نظام الأسد (مادياً ورقمياً) والسماح بالوصول الكامل لعائلات الضحايا الذين يبحثون عن المفقودين;
  •  إدراج أسماء المتواطئين في عمليات التشهير وحماية هويتهم لمنع الانتقام الشخصي وضمان إجراءات قضائية عادلة، والتي قد تنطوي على أنماط عدالة تحويلية وتصالحية بدلاً من أنماط العدالة العقابية;
  •  اعتقال واحتجاز جميع أفراد الجيش أو جهاز الأمن أو الميليشيات المسلحة المشتبه في تورطهم المباشر في ارتكاب جرائم ضد المدنيين وجرائم الحرب في ظروف إنسانية;
  •  منع أي إذلال أو إعدام علني، والشروع في إجراءات العدالة التي تحترم الاتفاقيات الدولية المناهضة لعقوبة الإعدام;
  •  التمكين من إنشاء نظم بديلة لحل النزاعات والعدالة، والسماح للمتهمين باختيار نظام العدالة الذي يرغبون في أن يحاكموا بموجبه، مع حظر استخدام العقوبات التي تنطوي على العقاب البدني أو عقوبة الإعدام;

 

ضمان الانتقال السياسي:

  •  منع إقامة نظام سياسي قائم على أساس الانتماءات الدينية أو العرقية، لمنع التقسيم الطائفي لسوريا;
  •  منع استخدام رموز الجماعات المسلحة، وكذلك الأعلام المرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، والجماعات الإسلامية الأخرى، في المؤسسات العامة للنظام السياسي الجديد;
  •  تنظيم عملية انتقال سياسي إلى نظام فيدرالي يسمح بالتمثيل المتكافئ وغير التفرقي لمختلف الطوائف العرقية والدينية في المجتمع السوري والتي تمثل ١٪ على الأقل من المجتمع السوري: العرب السنة والعرب الشيعة والعرب المسيحيين والدروز والعلويين والأكراد والآشوريين. يجب إعطاء تمثيل نسبي للمجتمعات العرقية التي تمثل أقل من ١٪ من سكان سوريا من أجل ضمان احترام هوياتهم الخاصة وحقوقهم ذات الصلة: التركمان، والشركس، والبدو، والأرمن، واليهود المزراحيين، واليزيديين، والفلسطينيين، والرومان، والآراميين/السريان;
  •  تجميد جميع أشكال التعاون مع دولة مجاورة لا تضمن الحرية الكاملة للسكان الذين ينتمون إلى واحدة على الأقل من الطوائف السورية المذكورة أعلاه;
  •  استعادة الحريات السياسية والدينية الكاملة وغير المقيدة، فضلاً عن حرية تكوين الجمعيات وحرية التجمع وحرية التعبير وحرية الصحافة;
  •  ضمان حرية وحماية حقوق المرأة والأقليات الجنسانية;

 

وبدون تنفيذ كل هذه المطالب، فإن تقرير مصير السوريين غير مضمون، ويُخشى من عودة القوى الاستبدادية. يجب علينا أن نتحرك بشكل جماعي لمنع التاريخ من تكرار نفسه والطموحات الاستبدادية أو الرجعية التي تهدد الثورة السورية الديمقراطية والعلمانية.

لذلك يجب أن نعلن بصوت عالٍ تضامننا مع الشعوب الفلسطينية واللبنانية والكردية في مواجهة القمع والعنف غير المبرر. إن المسألة لا تتعلق بدعم الجماعات المسلحة التي تحمل صوتها، بل بإرسال رسالة واضحة لشعوبنا الشقيقة وللمدنيين الذين لا يستحقون المعاناة من تداعيات الحروب الاستعمارية.

نحن لا نريد سوى السلام والديمقراطية في سوريا والمناطق المحيطة بها.

نبذة عن المؤلف: سيدريك دومينجو باحث مستقل وناشط مقيم في أوروبا. تتركز مجالات بحثه حول المنفى والعنف السياسي والاستعمار والدفاع الذاتي للمجتمعات، لا سيما في أوروبا الغربية والاتحاد السوفياتي السابق والمشرق العربي. وهو يبحث في مسألة نجاة المجتمعات السورية ودفاعها عن نفسها، كما يعمل على إنتاج فيلم وثائقي عن السويداء، في إطار مبادرة فجوات.

 

في جنوب سوريا بدأت انتفاضة الكرامة

في جنوب سوريا بدأت انتفاضة الكرامة

Fajawat Collective

بواسطة Fajawat Collective | أكتوبر 2, 2023

More than ten years after the uprising of 2011, the revolt has resumed in southern Syria. As in 2011, the mainstream media are not reporting much on it, as if popular uprisings in this region were only of interest if they coincided with the interests of the states that have been working to carve up the Middle East since the Sykes-Picot agreements in 1916. This time, the revolt started in Suwayda, the Druze governorate, in the middle of August and spread modestly to other towns, notably in the neighboring governorate of Dera'a. This text offers a contextualization on Syria in general and on Suwayda in particular. It has been written by people from the region who are concerned about the situation there, and who hope that a solution will finally be found for the people, which does not simply consist of choosing their oppressors. No foreign power can propose a viable and satisfactory solution for the Syrians, their land having served as a bloody playground for all the powers that have interfered in their affairs.

The Druze exception

The Druze are a religious community attached to a heterodox belief in Ismaili Shi'ite Islam, which originated in Egypt under the impetus of Imam Hamza ibn Ali ibn Ahmad and Vizir Nashtakin ad-Darazi in the early 11th century. The druze religion, like Sufism, takes a philosophical and syncretic approach to faith, recognizing neither the rigorist precepts nor the prophets of Islam. Note that the Druzes prefer to call themselves Al-Muwahhidun (Unitarians) or Bani Maaruf (People of Goodness). Despite the spread of this belief to Cairo during the Fatimid caliphate of Al-Hakim, who was venerated by the Druzes, they were swiftly subjected to persecution by the rest of the Muslim community following his demise in 1021. As a result, they were exiled to Bilad el-Cham (present-day Syria, Lebanon, Jordan, and Palestine), specifically to Mount Lebanon and Hawran. However, it was around the beginning of the 19th century that the Druze community of Hawran gained strength after a large part of the community had been expelled from Mount Lebanon by the Ottoman authorities. The Hawran then took the name of Jabel al-Druze.

Today, Suwayda governorate is home to the majority of the world's Druze community, some 700,000 people. The Lebanese Druze are the second-largest community, numbering 250,000. In Syria, several Druze settlements also exist in Jebel al-Summaq (Idlib, 25,000 people), Jebel al-Sheikh (Quneitra, 30,000 people), and Jaramana (Damascus suburbs, 50,000 people). Finally, outside Syria and Lebanon, the largest Druze communities are to be found in occupied Palestine (al-Juwlan, Galilee and Mount Karmel, 130,000), Venezuela (100,000), Jordan (20,000), North America (30,000), Colombia (3,000) and Australia (3,000).

Following numerous revolts against the Ottoman Empire until 1918, then against the French colonizers between 1925 and 1945[1], the Druze have a reputation for insubordination that describes them to this day and which has enabled them to maintain a permanent balance of power with the Assad regime, based on compromises negotiated between Druze leaders and the regime's local representatives[2]. After 2011, despite a few sheikhs expressing their support for the regime[3], many Druzes took part in the demonstrations against Bashar al-Assad, mostly supporting the position of the "Men for Dignity"[4], who refused to take part in the war and called on the community to arm itself for the sole purpose of self-defense. The sheikhs took the lead and the initiative by refusing to join the regime's army with the aim of protecting the region and its youth, but also to prevent the community from being compromised in Assad's war by taking part in the repression of other communities elsewhere. This defiance of the regime was embodied, among others, by the druze sheikhs Ahmed Salman al-Hajari and Abu Fahd Wahid al-Bal'ous, who both were killed, the first in a car "accident" in March 2012[5] and the second in a bombing that killed 23 other people in September 2015.

Other prominent druze figures got involved in the opposition: Khaldoun Zeineddine, his brother Fadlallah Zeineddine and Hafez Jad Al-Kareem Faraj, all three officers in the Syrian army, from which they defected to join the rebels. Khaldoun Zeineddine formed the Sultan Pasha al-Atrash Battalion within the Free Syrian Army (FSA)[6] [7]. Joined by a number of Druzes, the battalion, however, remained weak and isolated and faced several attacks and kidnappings by Al-Nusra rebels in Dera'a[8] before being finally wiped out and its commander killed in 2013[9]. Its remaining members fled to Jordan, from where they announced the cessation of their activities in January 2014, denouncing a lack of support for the revolution from the Suwayda Military Council and from the Druze community, as well as the hostility toward the Druze on the part of the rebel groups of Dera'a, called "Islamists" and accused of being accomplices of the Assad regime[10].

Generally speaking, the Druze have a very secularist vision of society, and their religious representatives refuse to take charge of the community's political and administrative affairs. In the conflicts that have shaken Druze and Syrian society, the sheikhs have repeatedly expressed their support and encouragement for the community's choices[11]. While the Druze community has refused to take sides in the civil war, it has nevertheless always expressed its rejection of the regime, not hesitating to confront the security forces present in the governorate to enforce their demands or free prisoners from the hands of the army[12].

Bashar and his Islamist puppets

Right from the start of the insurrection and repeatedly since, the regime has played the divide-and-rule card, urging the Shi'a and Ismaili religious minorities (to which the Druzes belong) to oppose the FSA because of the "Islamist threat" their Sunni majority component is supposed to represent. In the propagandist rhetoric of the regime and its allies, the FSA rebels are constantly equated with the Al-Nusra Front and branded as Salafists or takfiri, while the useful idiots of the Islamic State are used in a thousand ways to hinder the revolution and to go hand in hand with the regime's forces for the indiscriminate slaughtering of the Syrian population. In fact, the most radical religious component of the Syrian opposition has been deliberately favored by the regime: between June and October 2011, three months after the first anti-regime demonstrations, Bashar al-Assad released nearly 1,500 Islamist militants from prison, most of whom went on to join jihadist groups affiliated with al-Qaeda and ISIS. Thus, the main leaders of the Jabhat al-Nusra, Ahrar al-Sham and Jaish al-Islam groups, as well as the ISIS section responsible for most of the beheading of foreigners, had previously been released from the notorious Saydnaya prison[13].

Bashar al-Assad's strategy has paid off, as the outpouring of violence from ISIS jihadists has succeeded in permanently distracting the rest of the world's gaze from the atrocities committed by the Syrian army, the Shabihas[14] [15] and Iran-backed militias[16], and then from the massive bombing of civilians in the north and east of the country by the Russian air force from September 2015 onwards[17], with this military intervention itself motivated by the "fight against Islamists". Moreover, it has enabled the Kurdish People's Protection Units and Women's Protection Units (YPG/YPJ) to distance themselves from the Syrian revolution and focus their forces on the fight against the Islamists, mainly with American help. Finally, because of the terror instigated by the jihadists and out of disinterest in the fate of the Syrian people and their revolution, the "international community" (EU, USA and UN) did not bring substantial support to the FSA, leaving Qatar, Saudi Arabia and Turkey to provide logistical and military support to the FSA components most compatible with their political agenda and confessional interests, so to speak "the Islamists"[18]. The democratic, secular and socialist components of the FSA, abandoned on most sides and threatened from within by the Islamists, then had no choice but to join the sectarian groups in order to survive and continue the fight against the main executioner of the Syrian people: the regime of Bashar al-Assad[19].

In May 2018, Bashar al-Assad's regime made an agreement with ISIS for their surrender in the Damascus area[20]. Following this agreement, 800 of its fighters and their families (1,800 people) had been evacuated from the districts of Yarmouk and Tadamon (Damascus suburbs) to the desert near Palmyra and to abandoned villages northeast of Suwayda[21], with 40 trucks and cars under heavy guard by the Syrian army. Three months later, on July 25, 2018, ISIS predictably attempted to invade the Suwayda governorate from the east, guided by Bedouins who had a long-standing discord with the Druzes. At dawn, ISIS fighters thus began slaughtering the population of several druze villages on the edge of the desert[22] before taking 42 members of the community as hostages (including 16 children and 14 women[23]) and carrying out four suicide attacks in the heart of the main city of Suwayda[24]. Hundreds of Druzes from Jabal al-Druze (the region of Suwayda), joined by Druzes from Jabal al-Sheikh (located on the border with Lebanon), spontaneously took up arms and threw ISIS back into the desert, putting a stop to its campaign towards the south of the country[25] but also definitively confirming the anger and distrust of the Suwayda Druzes towards the Syrian regime, accused of using ISIS to weaken them[26].

Regime and gangs hand in hand

Although the region has escaped bombardment and military operations since 2011, the people of Suwayda, like all Syrians, have endured the consequences of the war and the regime's murderous policies: sporadic armed confrontations with gangs and militias affiliated to the regime, assassinations, kidnappings, drug trafficking[27]...

In the spring of 2022, the gang of Raji Falhout, a notorious trafficker, claimed responsibility for the kidnapping of some twenty residents of Suwayda and Dera'a[28] before his men stormed the swimming pool in Suwayda's al-Maqous district to kidnap its users, provoking an armed confrontation with the residents[29].

Following this incident, an uprising broke out on July 26 in the town of Shahba following the kidnapping of a resident, Jad al-Taweel, by Falhout's gang[30]. Residents led by the "Men for Dignity" Movement blocked the roads and arrested military intelligence agents affiliated with the local organized crime[31] before taking up arms against the Falhout gang, leaving 24 people dead on the residents' side and 12 on the gang's side. The gang's headquarters in the towns of Salim and Atil were then stormed by residents of numerous villages in the region, leading to the capture of the premises, the release of hostages, and the discovery of Captagon production equipments[32], revealing the Assad clan's complicity with organized crime, using the 4th Military Intelligence Division and Hezbollah as middlemen[33]. Over the past decade, these regime-affiliated gangs have been responsible for numerous kidnappings and assassinations, causing insecurity and violence to destabilize the region.

After the eradication of the Falhout gang and its affiliated gangs, kidnapping and car theft operations in the Suwayda region significantly decreased[34], and this victory over organized crime has proven the capacity of the Druze community to ensure its own security.

Falhout gang with the citizens they kidnapped, 2022.

Raji Falhout posing with his gang.

Raji Falhout's card as a member of the Intelligence Service Division n°2017.

People from Suwayda gathering to raid the Falhout gang

Captagon production

Endemic crisis and seeds of dissent

Over and above the direct consequences of the civil war, and then of the imperialist wars waged in Syria by the major powers (Iran, Russia, Turkey, Israel, the United States, Qatar, Saudi Arabia...)[35], Syria has been in an unprecedented economic slump for ten years. The population was initially subjected to rationing of basic resources and foodstuffs, such as water, gas, petrol, fuel oil, bread, sugar, oil, rice, tea and onions, obtained with the help of a ration card (the smart card), before abolishing this support for essential goods, leaving the population obliged to buy these commodities at market prices. The value of a Syrian pound has risen from $1 = 47 SYR in 2011 to 500 SYR in 2017, and climbed from 2,500 to 14,000 SYR by the summer of 2023, with an above average salary of 200,000 SYR ($14). In summer 2023, the food prices reached unprecedented level: 1L oil = 30000 SYR, 1L milk = 6000 SYP, 1kg flour = 4500 SYR, 1kg tomato = 4000 SYR, 1kg potatoes = 6500 SYR, 1kg onions = 3500 SYR, 1kg cucumber = 4000 SYR, one egg = 2000 SYP. This means that the majority of Syrians have spent their entire salary in less than a week. As for electricity, two years ago it was delivered to the Suwayda region as part of a daily rationing program (three hours on, three hours off), before this short window was reduced to an hour and a half on, versus six or seven hours off, not to mention the numerous power cuts occurring during this time, causing the rapid degradation of electronic devices whose purchase or fixing prices are unaffordable.

In recent years, Russian military police have regularly attempted to act as peacekeepers to ease tensions generated by the economic crisis. Its presence was confirmed in 2021 in Suwayda governorate, when a delegation of Russian officers presented themselves to the population with the intention of recruiting deputies from the population of both governorates[36]. The Russian contingent based in Bosra, located between Suwayda and Dera'a, made several attempts to distribute food aid in 2021 to Shahba and in 2022 to Dhibin, but residents firmly rejected their humanitarian intervention[37].

Between 2020 and 2023, spontaneous and short-lived demonstrations regularly took place in Suwayda, but were either not renewed or were repressed. In February and April 2022, protesters blocked the roads, stormed the governorate building, and set fire to a military vehicle before security forces opened fire on demonstrators, killing one and injuring 18[38]. Nevertheless, in December 2022, protesters managed to storm the governorate building for the second time, while their slogans and protest signs were mainly demanding a "decent life", after the allocations of gas and electricity had been reduced. Throughout the winter and spring of 2023, rallies continued under pressure from Baath Party members actions, who attempted to organize pro-regime demonstrations in order to intimidate the protesters.

Meanwhile, the Assad regime returned to the fold of the Arab League following diplomatic meetings in Cairo on May 7, 2023, and the Arab League Summit in Riyadh on May 19[39], as well as a Chinese-brokered deal to reestablish ties between Iran and Saudi Arabia in order to defuse the proxy war these two countries are waging in Syria and Yemen[40]. In exchange for this return of favor, Bashar al-Assad committed himself to tackling drug trafficking on his borders with Jordan and Iraq[41]. The day after the Cairo agreement, Jordan sent a clear message to the Syrian authorities by carrying out an air strike on the personal home of drug trafficker Marai al-Ramthan in Al-Shaab, south of the Suwayda governorate, killing him, his wife and six children, as well as an Iran-linked (handled by Hezbollah) drug facility in Kharab al-Shahem in the nearby Dera'a governorate[42].

And the fuse caught fire…

On August 5, 2023, a collective emerged in the coastal governorates of Latakia and Tartus, issuing an ultimatum to the regime by August 10[43], demanding reforms and making public a list of demands in application of UN Security Council Resolution 2254 which was adopted in Geneva in 2015. A particular feature of the movement is that it has developed in regions with a strong Alawite community, to which Bashar al-Assad belongs, notably in the towns of Tartus, Latakia, Banias and Jableh, where thousands of leaflets have been distributed[44]. In response, Bashar al-Assad raised civil employees' salaries by 100% but simultaneously announced the abolition of petrol subsidies and an increase in fuel prices, with the price of a liter of petrol rising sharply from 3,000 to 8,000 Syrian pounds, an increase of 167%, and the price of fuel from 700 to 2,000 Syrian pounds, an increase of 186%. Syrians' exorbitant transport budgets are making daily life impossible and forcing thousands of Syrians to stop going to work. Faced with the rise in resignations in the public sector, the regime has responded by tightening the conditions of resignation. Meanwhile, the regime has announced its intention to abolish subsidies on all consumer goods by 2024[45].

In the wake of these announcements, a call for a general strike was issued in southern Syria[46]. Since August 16, more than 52 communes in southern Syria have witnessed demonstrations using various types of action: strikes, vigils, blocking roads, closing government institutions, etc.

Demonstrations of support took place in the governorates of Idlib, Dera'a and Aleppo, as well as in Jaramana, the predominantly Druze district of Rural Damascus, reviving the slogans of 2011 for the fall of Assad : "Syria is ours, not Assad's", "one, one, one, the Syrian people are one" and "the people want the fall of the regime". The demonstrators also expressed their wish to see an end to the Iranian presence in Syria.

On August 25, demonstrations spreaded to Idleb, Aleppo, Azaz, Afrin and Al-Bab. In several places, demonstrators waved the Druze, Kurdish and Syrian Revolution flags together. While the regime's forces did not overreact in Suwayda governorate, they did open fire in Aleppo and Dera'a, killing at least two people. The Syrian Human Rights Network also reports the arrest of 57 people in connection with the protests, mainly in the governorate of Lattakia et Tartus[47].

Protesters show Druze, Syriaque and Kurdish flag replacing the three stars of the Syrian Revolution flag in the city of Idleb

Protesters show Syrian Revolution, Kurdish, Shia, Druze, Sunni, Christian and Syrian national flags in the city of Suwayda.

Since then demonstrations in Suwayda's central square, long since renamed "Dignity Square" (al-Karami) by the population, have been weekly, if not daily, and have grown from one Friday to the next, reaching several thousand people a month after the start of the revolt, on September 22. Baath Party offices and a number of government offices were closed by the demonstrators during the protests, while banners and portraits of Bashar al-Assad were destroyed and burned.

Meanwhile, on September 14, Bashar al-Assad's cousin, Firas al-Assad[48], published a video in which he condemned the regime and expressed his support for the demonstrators[49]. This video follows that of Majd Jadaan, Maher al-Assad's sister-in-law[50], fiercely denouncing the crimes of the Assad clan from Jordan and hailing the revolt of the people of Suwayda against the regime[51]. Interviews of actors of the revolt were also made public, such as that of the leader of the "Men of Dignity Movement" in Suwayda, Sheikh Abu Hassan Yahya Al-Hajjar[52], or the activist and lawyer Adel al-Hadi[53].

Protesters burn a military vehicle in front of the governorate building.

The governorate building with Hafez al-Assad's picture set in flames.

In the chaos of the proxy war

Despite twelve years of revolt and civil war, the Syrian regime is still in power. If it has withstood the storms, it is undoubtedly thanks to the interventions of Iran, ISIS and Russia, each of which, in their own ways, helped to make the Revolution so desired by the Syrian people impossible. To this we can add Saudi Arabia, Qatar and Turkey, who for their part have succeeded in creating division within the democratic and secular forces of the Free Syrian Army by favoring, as mentioned earlier, the most reactionary and least democratic forces of the rebellion against the regime.

The United States, for its part, which is responsible for the birth and development of Al-Qaeda and the Islamic State, both born on the still-smoldering rubble of Afghan and Iraqi societies, chose in 2011 (the year of its official withdrawal from Iraq) to no longer participate directly with its armed forces in conflicts in the Middle East. For all that, after condemning the repression of the 2011 protests and imposing sanctions against the Assad regime, the United States launched its first air strikes in Syria in September 2014[54] and, from 2015, sponsored the new Syrian Democratic Forces (SDF), made up of 25,000 Kurdish fighters from the YPG/YPJ and 5,000 Arab fighters, with the stated aim of halting the advance of the Islamic State. Initially spared, the Syrian regime finally underwent US strikes in 2017 and 2018, in retaliation for the Syrian army's use of chemical weapons against civilians in Douma (Damascus) and Khan Cheikhoun (Idlib)[55]. That same year, two-thirds of the American troops deployed on Syrian soil were brought back in agreement with Turkey, which then decided to launch an offensive in the Kurdish-controlled border zone in order to establish a "security zone" there[56]. Nevertheless, the United States maintained a strong presence in Syria; in 2021, it carried out a series of air strikes against Hezbollah and its Iraqi allies, including Hachd al-Chaabi, who were held responsible for attacks against "western interests" in Iraq[57].

Russia, which has been one of the Syrian regime's main military backers since 2015, was diverted by its invasion of Ukraine, which didn't go exactly as Putin would have liked. It had to withdraw a significant part of its contingent from Syrian territory[58] to redeploy it in eastern Ukraine, while the 250 to 450 Wagner mercenaries operating notably in the Syrian governorates of Homs and Deir ez-Zor, remaining without leadership since the Prigozhine mutiny, were reportedly ordered to report to their base in Hmeimim (Latakia governorate) and return to the authority of the Russian military command[59]. Some of those who refused were possibly sent back to Russia or redeployed to Mali. As a result of the withdrawal of Russian troops, some of the military bases under their control were transferred to the Iranian armed forces, notably the Islamic Revolutionary Guard Corps and Hezbollah. However, Russia retains its military forces in Syria and has no intention of relinquishing its share of influence in the region, particularly in the face of Iran, which remains its main competitor there.

Iran, which has been the primary supporter of the Assad regime since the reign of Bashar's father, Hafez, remains the key player in the Syrian war. Without the military support of Iranian militias, the main one being the Lebanese Hezbollah, the Assad regime would probably not have been able to hold out, not least because of Hezbollah's involvement in the trafficking of Captagon, one of the regime's main resources. After denying their presence in Syria, the Iranian regime and Hezbollah ended up openly supporting the Assad regime, calling it both a "jihad against Sunni extremists" and a "necessary intervention to protect Palestine and resist Israel". In the propaganda of Iran and Lebanese Hezbollah, unconditional support for the liberation of the Palestinian people is a mirage that works well, particularly among the Western left[60]. Where one might have expected unanimous support for the Syrian revolution from the majority of revolutionary left-wing forces, a resounding silence responded to the chants of the Syrian demonstrators. In the naive imagination of the left, Iran, Syria and the Hezbollah (and Hamas) militias constitute an indisputable bulwark against American imperialism and Israeli colonialism. In reality, Hezbollah's main concern is to maintain its quasi-hegemonic hold on Lebanese society while working frantically to keep Syria within Iran's zone of influence, on which its entire survival depends. Between 2013 and 2018, the Syrian regime's siege[61] and then violent eradication of the world's largest Palestinian Yarmouk refugee camp (suburb of Damascus)[62], which can easily be considered an operation of ethnic cleansing carried out with the complicity of Hezbollah and Palestinian movements like PFLP and Hamas[63], is enough to disqualify the latter's propaganda as to the reality of their struggle for the emancipation of the Palestinian people.

Israel, without intervening militarily on Syrian soil, has never stopped launching drone strikes on Iranian infrastructures in Syria. In fact, not a month goes by without rockets hitting Hezbollah buildings or executives, the militia being the main concern of the Israeli regime. Yet, Israel has never shown any willingness to support the democratic aspirations of the Syrian people. If we look at the situation rationally, we understand that Israel has no interest in the establishment of a democratic society in an Arab country on its borders, as any democratic progress in the region would naturally lead to Arab solidarity with the Palestinians and a threat to Israel's apartheid regime. In fact, the Assad regime and Hezbollah have largely contributed to restricting the political organization and resistance of Palestinian refugees in Lebanon and Syria[64], which is not to Israel's displeasure.

What could happen next?

Like the Syrian people as a whole in 2011, the Suwayda demonstrators can hardly win a revolution without external support or a large uprising of the Syrian population in the main other governorates.

As for the Free Syrian Army, it's hard to expect enthusiastic support for the Druze uprising, given that the aspiration of the majority of the current fighting groups remains the establishment of an Islamic caliphate that is difficult to reconcile with the democratic and secular aspirations of the Suwayda protesters. Nevertheless, in all the governorates, whether under the control of the regime or the rebels, there are still remnants of democratic movements who see the Druze insurrection as an immense source of hope. This is why those who still believe in a non-confessional, democratic society have spontaneously taken to the streets of various towns to express their solidarity with Suwayda, whether they be Sunni Muslims, Alawites, Christians, Syriacs, Arabs or Kurds.

Here again, one would expect Kurdish organizations, which have managed to maintain their autonomous status in a good quarter of the country and proclaim loud and clear that they are driven by a revolutionary, universalist and democratic project, to express more strong and unconditional support for their brothers and sisters in Suwayda. But beyond a communiqué from the women of the Syrian Democratic Council calling for Syrian women to take the political issue into their own hands, we haven't heard much from the Kurdish revolutionary movements. This suggests that, in accordance to their well-established autonomy, the Kurds don't feel much concern for what's happening south of the Euphrates, whether the fate of the rest of the Syrian people or that of the Palestinians. It's sad to see the extent to which solidarity with other struggling communities is not perceived as a sine qua non for the survival of the project for Democracy in the Middle East. Moreover, recent events in Deir ez-Zor have done little to bolster Arab confidence in the Kurdish People's Protection Units (YPG): between August 27 and September 7, the Syrian Democratic Forces, largely dominated by the YPG, clashed with local Arab factions affiliated to the Deir ez-Zor Military Council following the dismissal and arrest of an Arab senior commander of the SDF, Ahmed al-Khubail also know as Rashid Abu Khawla. Although the sanctions taken against him were justified in view of the accusations of corruption and drug trafficking made against him by the local population, the arrest fueled the anger of its supporters, who launched an assault on the SDF, resulting in the death of 90 people over the eleven days the fighting lasted[65]. The backdrop to this conflict is the reproach levelled at the Kurds by the local population, who legitimately blame them for their hegemonic control of the area, which is seen as disrespectful considering the Arab majority living there[66].

Among the Druze, there is intense debate about the procedure to be followed. A certain mistrust seems to persist with regard to the autonomist and confederalist proposal. Some people see in the autonomist claim a risk of separation from the rest of the Syrians, unable to grasp the difference between autonomy and independence, while others confuse the means with the end: when they are told about establishing democratic assemblies and struggle committees to organize the revolt in the medium term, they think they are being told about a long-term project for society, and find it hard to believe in the people's capacity for self-organization without mediators and leaders. As a result, political organization in the context of the popular uprising in al-Karami Square is still struggling to take on the form of the Egyptian Tahrir of 2010 or the Ukrainian Maïdan of 2014, when it would perhaps be sufficient to take up the recipes and positive experiences of the 2011 uprising, and in particular that of the Local Committees described by the Syrian anarchist Omar Aziz[67] and set up in many cities at the time. Unfortunately, if no grassroots’ organizing initiative is put in place, we run the risk of seeing sheikhs and heads of traditional family clans propelled as leaders, to the detriment of lesser-known individuals or collectives driven by more progressive and genuinely emancipatory ideals.

Already, Russian ambassador Anatoly Viktorov has paid a visit to the sheikh of the Druze of Galilee (Israel) Muwafaq Tarif[68], while American representatives French Hill, Joe Wilson and Brendan Boyle have called on phone the sheikh of Suwayda Hikmat Al-Hijri[69], trying to initiate negotiations with the Druze community to ensure that the outcome of the revolt would be in line with their interests in the region. Nor should we doubt that Saudi butcher Mohammed Ben Salman, who is conducting diplomatic dealings on all sides with Iran, China, Israel, the United States and France, will also come to shake up the region's future, so much does his interest in weaponry acquisition and uranium enrichment outweigh the fate of the people, whether Syrian or Palestinian. For the Saudi tyrant, it obviously doesn't matter that these peoples remain caged, as long as they are martyred in silence and don't disturb usual business. And that's not counting Bashar al-Assad's recent visit to Beijing at the invitation of Chinese despot Xi Jinping, to break out of his isolation and secure China's support for a deal to "rebuild" Syria. The very act of all these vultures is enough to generate suspicion and speculation, which cannot be beneficial to the popular movement underway. In view of the chaos that the various states have generated in Iraq and Syria over the last twenty years, we can legitimately say that only solutions implemented by the people for the people can hope to lead to a semblance of peace and democracy. For now, the people of Suwayda have categorically refused to join under any banner that has political or economic interests in Syria.

Let's hope it will last and succeed in this way!

NOTES

[1] The withdrawal of the French in 1945 was largely due to the fight for independence waged since the 1920s by Sultan Pacha al-Atrach, representing a family of Druze notables, whose feats of arms and resistance to the occupiers are still celebrated by many Syrians.

[2] The regime has no checkpoints inside Suwayda governorate, and the community refuses to send its young people to the army outside the region. Nevertheless, the governorate administration and security services remain present and informed of what is happening in the region.

[3] Among these sheikhs, the notorious ones are the sheikh Jerbo and Nayef al-Aqil from the Dir’ al-Watan faction.

[4] https://yalibnan.com/2012/03/25/anti-regime-druze-spiritual-leader-killed-in-syria/

[5] https://www.meforum.org/5554/the-assassination-of-sheikh-abu-fahad-al-balous

[6] https://foreignpolicy.com/2015/06/22/druze-syria-assad-israel-netanyahu/

[7] https://syrianobserver.com/news/34453/sedition_between_druze_and_sunni_fighters.html

[8] https://www.meforum.org/3463/syrian-druze-neutrality

[9] https://www.zamanalwsl.net/news/article/45392

[10] https://www.zamanalwsl.net/news/article/45392 (AR)

[11] https://www.youtube.com/watch?v=J8HeEzKTmbc (EN)

[12] https://suwayda24.com/?p=20610 (AR)

[13] https://s.telegraph.co.uk/graphics/projects/isis-jihad-syria-assad-islamic/ (EN)

[14] https://npasyria.com/en/53834/ (EN)

[15] https://cija-syria-paramilitaries.org/#investigating-assads-ghosts (EN)

[16] https://syriafreedomforever.wordpress.com/2017/02/26/the-rawr-report-interview-with-joseph-daher-on-hezbollah-and-the-syrian-revolution-02162017/ (EN)

[17] https://www.aljazeera.com/news/2015/9/30/russia-carries-out-first-air-strikes-in-syria

[18] The main are Ahrar al-Sham (Qatar, Turkey, Saudi Arabia), Syrian Islamic Liberation Front (Qatar, Turkey), Liwa al-Tawhid (Qatar, Turkey), Jaych al-Islam (Saudi Arabia, Qatar)

[19] https://thisishell.com/interviews/894-leila-al-shami-robin-yassin-kassab (EN)

[20] https://english.aawsat.com/home/article/1275206/isis-militants-evacuated-southern-damascus-desert (EN)

[21] Hamlets called Ashraffieh, al-Saqiya and al-Awara, less than 20 kilometers from the Khalkhalah military base and less than 10 kilometers from the first Druze settlements at the gateway to the desert, al-Qasr and Barek – https://suwayda24.com/?p=2423 (AR)

[22] Villages of Tema, Douma, Al-Kseib, Tarba, Ghaydah Hamayel, Rami, al-Shbeki, al-Sharahi, al-Mtouneh and al-Sweimreh – https://suwayda24.com/?p=4431

[23] On July 31, 2018, the regime negotiated the release of women held hostage by the jihadists, in exchange for an agreement to evacuate more than 200 of their fighters from western Deraa (Yarmouk Basin) to the Badiya region. Refusing the deal, the Islamic State demanded a ransom, before publishing the video of the execution of one of the hostages, Muhannad Touqan Abu Ammar, a 19-year-old Druze resident of al-Shbeki, on August 2, 2018 – https://www.youtube.com/watch?v=f_OhL8bJD2M (AR). Eventually, the remaining hostages were released following agreements reached with the regime in october and november 2018, while 700 to 1,000 jihadists were evacuated to Badiya under a new agreement reached with the regime on November 17 – https://suwayda24.com/?p=19606 (AR) ; https://stj-sy.org/en/946/ (EN)

[24] https://www.hrw.org/news/2018/08/25/syria-isis-holding-children-hostage (EN)

[25] The ISIS offensive affected 10 villages, 263 people were killed (30 by the suicide bombers in Suwayda) and 300 injured. In retaliation for the massacre, on August 7, 2018 local members of the pro-regime Syrian Social Nationalist Party (SSNP) hanged an elderly man they presented as a jihadist at the so-called “Arch of the Hanged” (al-Mashnaqah) in the town of Suwayda – https://suwayda24.com/?p=4711 (AR) ; https://syria.news/179bd6d3-07081812.html (AR) ; https://orient-news.net/ar/news_show/152458 (AR)

[26] The regime’s army intervened only belatedly (after the attack on the Khalkhalah military base located to the north of Suwayda governorate) to track down ISIS into the desert next to the volcanic field of as-Safa, as they were already pushed back by the Druzes’ counter-attack.

[27] Watch “Captagon: Inside Syria’s drug trafficking empire” by BBC World Service Documentaries – https://www.youtube.com/watch?v=N4DaOxf13O0 (EN)

[28] https://www.facebook.com/Suwayda24/photos/pb.100064794576009.-2207520000/2097785973734342/?type=3

[29] https://suwayda24.com/?p=19288 (AR)

[30] https://suwayda24.com/?p=19589 (AR) ; https://suwayda24.com/?p=19611 (AR)

[31] https://www.opensanctions.org/entities/NK-Do5hgZ5JS8hTfGJbyQvr6J/ (EN)

[32] https://www.facebook.com/photo/?fbid=2161930727319866&set=pb.100064794576009.-2207520000

[33] https://www.bbc.com/news/world-middle-east-66002450 (EN)

[34] https://suwayda24.com/?p=19955 (AR)

[35] Since 2011, over 600,000 people have been killed in the conflict, more than half of them civilians. Five million Syrians have left the country, while almost 8 million have been internally displaced. While Russia and Turkey intervene militarily on Syrian territory, most other powers intervene through militias or by providing financial and material aid to the various armed groups active in the conflict. Iran openly supports the Syrian regime, notably by guaranteeing the support of its militias, the main one being Hezbollah.

[36] https://npasyria.com/en/65789/ (EN)

[37] https://syrianobserver.com/news/75404/widely-condemned-russian-delegation-enters-town-in-suweida-under-pretext-of-aid.html (EN)

[38] https://suwayda24.com/?p=20325 (AR)

[39] https://www.aljazeera.com/news/2023/5/7/arab-league-agrees-to-bring-syria-back-into-its-fold (EN)

[40] https://www.usip.org/publications/2023/03/what-you-need-know-about-chinas-saudi-iran-deal (EN)

[41] https://www.aljazeera.com/news/2023/5/1/syria-agrees-to-curb-drug-trade-in-arab-ministers-meeting (EN)

[42] https://www.aljazeera.com/news/2023/5/8/sohr-attack-that-killed-drug-trafficker-in-syria-was-by-jordan (EN)

[43] https://www.newarab.com/news/who-are-syrias-new-opposition-group-10-august-movement (EN)

[44] https://en.majalla.com/node/297431/politics/alawite-protest-movement-emerging-syrias-coastal-areas (EN)

[45] https://alsifr.org/syria-protests (AR)

[46] https://suwayda24.com/?p=21730 (AR) ; https://www.aljazeera.com/news/2023/8/21/strike-protests-in-syrias-sweida-enter-second-day (EN)

[47] https://leilashami.wordpress.com/2023/08/26/revolution-reborn/ (EN)

[48] Firas’ father, Rifaat, commanded the armed forces responsible for the Hama massacre in 1982, before attempting a coup against his brother, Bashar al-Assad’s father, in 1984. Exiled to France, he finally returned to Syria in 2021 after being granted an amnesty by his nefew and found guilty by French courts of embezzling and laundering money for the Syrian regime. All his assets were seized, worth an estimated 90 million euros, including two Parisian townhouses, a stud farm, 40 apartments, 7300 square metres of office space in Lyon and a castle.

[49] https://www.youtube.com/watch?v=GmCRl-Hkn94 (AR)

[50] Maher is Bashar’s brother and General commander of the Republican Guard and the regime’s Military Intelligence. He is the regime’s second strongman, directly responsible for the Shabihas militia and the captagon traffic organized by the military intelligence services, in particular the Fourth Armored Division.

[51] https://youtu.be/IobX1vxHkDY (AR)

[52] https://suwayda24.com/?p=20610 (AR)

[53] https://hawarnews.com/en/haber/developments-in-as-suwayda-to-where-h37625.html (EN)

[54] https://obamawhitehouse.archives.gov/the-press-office/2014/09/23/statement-president-airstrikes-syria (EN)

[55] https://www.armscontrol.org/factsheets/Timeline-of-Syrian-Chemical-Weapons-Activity (EN) ; https://www.opcw.org/media-centre/news/2023/01/opcw-releases-third-report-investigation-and-identification-team (EN)

[56] https://www.kurdistan24.net/en/news/fff9400a-a0b3-4ff4-be05-e18d00a046cf (EN)

[57] https://www.reuters.com/world/middle-east/us-carries-out-air-strikes-against-iran-backed-militia-iraq-syria-2021-06-27/ (EN)

[58] By 2020, Russia had control over 75 sites in Syria, including 23 military bases, 42 points of presence and 10 observation points. While an estimated 63,000 Russian military personnel were deployed in Syria between 2015 and 2018, on the eve of the war in Ukraine this number appears to have fallen to 20,000 – https://daraj.media/108925/ (AR) ; https://www.arab-reform.net/publication/russian-forces-in-syria-and-the-building-of-a-sustainable-military-presence-i/ (EN)

[59] The main Russian military bases in Syria are located in Tartus, Hmeimim (Latakia) and since 2019 in Qamishli (Al-Hasakah).

[60] https://alsifr.org/syria-protests (AR)

[61] See the film “Little Palestine”, by Abdallah al-Khatib – https://youtu.be/GbpxMFNuYVY (AR / FR)

[62] Before 2013, the Yarmouk camp was home to over 160,000 Palestinian refugees.

[63] Hamas militants in Yarmouk initially fought the Assad regime until 2013, when Hamas timidly criticized the intervention against the Yarmouk camp, before maintaining a position of neutrality, due to its financial and military dependence on Hezbollah. Hamas also maintains its headquarters in Hezbollah’s stronghold in Dahiyeh, Lebanon.

[64] https://alsifr.org/syria-protests (AR)

[65] It was finally under US pressure that a withdrawal and ceasefire agreement was initiated by the FDS, motivated by the fear that ISIS cells, regime forces and pro-Iranian militias would take advantage of the situation to regain ground in the region.

[66] https://www.middleeasteye.net/news/syria-deir-ezzor-sdf-fights-arab-tribes-control (EN)

[67] https://www.fifthestate.org/archive/397-winter-2017/the-legacy-of-omar-aziz/ (EN) ; https://www.syria.tv/عمر-عزيز-يدخل-غيابه-العاشر

[68] https://www.aljazeera.net/politics/2023/9/21/انتفاضة-السويداء-مستمرة-اتصالات

[69] https://syrianobserver.com/news/85155/american-senator-reaches-out-to-sheikh-al-hijri-in-suweida.html (EN) ; https://www.thenationalnews.com/world/us-news/2023/09/21/us-politicians-speak-to-druze-leader-sheikh-al-hajari-as-anti-assad-protests-continue/ (EN)

نبذة عن المؤلف: سيدريك دومينجو باحث مستقل وناشط مقيم في أوروبا. تتركز مجالات بحثه حول المنفى والعنف السياسي والاستعمار والدفاع الذاتي للمجتمعات، لا سيما في أوروبا الغربية والاتحاد السوفياتي السابق والمشرق العربي. وهو يبحث في مسألة نجاة المجتمعات السورية ودفاعها عن نفسها، كما يعمل على إنتاج فيلم وثائقي عن السويداء، في إطار مبادرة فجوات.